أفكار ومواقف

عندما يصطاد المرء نفسه!

عندما تسيطر نزعة الاستهلاك، يقف العقل على الحياد، ويتحرك الفرد بدفع غريزة القطيع. وسأخوض فقط في واحدة من النتائج الكارثية الكثيرة التي خلفتها لنا تلك النزعة التي واكبت حقبة المد النفطي، ولم تنحسر بانحسار المدّ: رداءة التعليم.


في غمرة غياب عقلنا بفتنة الاستهلاك التي واكبت مدّ النفط، استطاع أحد ما أن يبيع علينا، فكرة أن تعليم أبنائنا يكون أجود ومطابقاً للمواصفات إذا دفعنا فيه سعراً أعلى. وقد تخلينا، طوعاً، وبطريقة لا يمكن أن تخرج عن سلوك القطيع، عن حق أبنائنا في الحصول على تعليم عالي الجودة والكم، وبالمجان. وأقصد الكلمة حرفياً، بالمجان، وليس بكلفة رخيصة فقط. وكانت النتيجة، “تسليع التعليم”، أي تحويله إلى “سلعة” وليس “خدمة”، تخضع أسعارها ونوعيتها لمنحنيات العرض والطلب. وقد عنى ذلك، فيما عنى، اعتبار التعليم “سلعة كمالية” تمكن خصخصتها وتخفيف كاهل الحكومة من كلفتها وتحميلها للمواطن.


وقد مرّ الأمر وكأن المواطن كان في موقف الاختيار. أقصد أن الفكرة طُرحت على النحو التالي: “أيها المواطن، لديك خيار تعليم أبنائك في المدارس الحكومية، و(لا أستطيع بإمكاناتي أن أضمن النوعية)، ولديك خيار التعليم الخاص، و(ستحدد محفظتك النوعية)”. وقد ابتلعنا الطُّعم ودفعنا طوعاً أثماناً -كل حسب قدرته على الاستدانة- لقاء مخصخص لا يستطيع أحد أن ينكر رداءة نواتجه في المجمل، مع بعض الاستثناءات التي لا تقاس إلى حجم القاعدة. وكان من مرافقات هذا التوجه، ما يلي:


أولاً: قمنا بتفريغ المدارس الحكومية من المعلمين الأكفياء الذين دفعت لهم بعض المدارس الخاصة الغنية رواتب أعلى، ولتدريس الصفوف العليا فقط. ثانياً: فرّغنا المدارس من الطلبة الأذكياء الذين تستقطبهم المدارس الخاصة في الصفوف العليا –من دون رسوم أو برسوم قليلة- حتى يحرزوا لها أفضل العلامات، وهو ما أعدم فرصة مدارس الحكومة في المنافسة على المعدلات، وأعطى انطباعاً زائفاً بأنها لا تستطيع تخريج “أوائل”. ثالثاً: حمّلنا أنفسنا، نحن المواطنين، كلفة هائلة لقاء تعليم أبنائنا لأننا لا نستطيع عدم تقليد جارنا ومجاراته، وبأن يكون أولادنا أقل من أولاده. رابعاً: باستثناء بعض المدارس الخاصة المتميزة القليلة، تستخدم المدارس الخاصة معلمين قليلي الرواتب، سيئي الإعداد، لتدريس الصفوف الدنيا، وتركز على معلمي “التوجيهي” الذين تظهر علامات طلبتهم إلى العلن.


أعود إلى تأكيد بعض الحقائق البدهية. إن الحقوق في مجانية التعليم والعناية الصحية والضمان الاجتماعي– من أفضل الأنواع- هي حقوق أساسية للمواطن، وواجب حكومي لا تجوز خصخصته أو التخفف منه بأي حال من الأحوال. والسبب أيضاً بدهي: إن أي دولة لا تعني أي شيء ولن تذهب إلى أي مكان عندما يكون شعبها سيئ التعليم، وسيئ الصحة، ولا يتمتع بالأمن الاجتماعي. ولذلك، يعد التحايل على المواطن واستغلال جهله بحقوقه وانجراره إلى الاستهلاك لحرمانه من هذه الحقوق أسوأ ما يمكن أن يتفتق عنه الذهن. كما أن إخضاع هذه الخدمات الحيوية للمعايير السلعية والاتجار بها لا يأتي سوى بأردأ النتائج على الوطن كله.


كان يفترض بنا أن نصرّ على تلقي أولادنا تعليماً حكومياً “مدعوماً” وجيداً. وأن لا ننجرف وراء نزعة الاستهلاك والتقليد الأعمى فنتخلى عن حقنا الأساسي في مجانية هذا التعليم، حتى الجامعي منه. وربما تجدر ملاحظة المفارقة في أننا ندفع مبالغ هائلة جداً لقاء التعليم الخاص، ونشهد في المقابل هذا التردي المعرفي المنعكس على الوطن كله.. وأتصور لو أن الدولة فرضت، فيما تفرض من الضرائب، شيئاً تذهب موارده للتعليم، لاستطاعت تجنيبنا الاستغلال، في الوقت الذي تحسن فيه أوضاع معلميها ومدارسها. وأنا شخصياً أفضل أن أدفع مبالغ للدولة لن تصل بأي حال إلى كلفة التعليم الخاص لأولادي ، في مقابل تعليم جيد، خال من الطبقية، والأغلب فيه متساوون. ولأن الدول هي محصلة نوعية مواطنيها في نهاية المطاف، فقد كان التوجه إلى التخفف من كلفة التعليم أشبه بمن ينصب مصيدة لنفسه ويقع فيها.


[email protected]

تعليق واحد

  1. اي المدارس هي الجيدة؟
    اريد اجابة لهذا السؤال سيد علاء
    حسب بحثي العميق العام الماضي في موضوع المدارس لم اجد اجابة؟

  2. أحسنت
    أستاذ علاءأين كنت يا رجل ، لي أسبوع لا أشرب قهوتي الصباحية إلا على مقالاتك. لا أعلم لم لم ألحظ أنك تكتب بالغد إلا منذ شهر أو أقل، ربما كان خطأي ، و لكني سعيد أني أقرأ لكاتب متميز مثلك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock