أفكار ومواقف

عندما يقوم رئيس الوزراء الفلسطيني بالتحذير

خلص رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، في لقاء مع صحيفة نيويورك تايمز، نشر يوم 5 حزيران (يونيو 2019)، إلى “أننا في وضع انهيار”، وأبرزت الصحيفة نقاطاً تبرر هذا الاستنتاج، في المقابل، هناك نقاط تشير إلى أنّه بمقدار ما في الأزمة الراهنة من حصار، يوجد تقدم وفرص، ولو أراد المحرر لاختار عنواناً مثل “الفلسطينيون يهددون بالعودة للمنظمة”، ولكنه اختار عنواناً آخر ذكيا “رئيس الوزراء الجديد يحذر من صيف ساخن جدا”.
بحسب الصحيفة فإنّ “الضغط من قبل إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وبمواجهة الحديث الإسرائيلي عن ضم الضفة الغربية، والعزلة المتزايدة في العالم العربي، ونفاد الأموال يجعل السلطة الفلسطينية، كما يعترف رئيس الوزراء الجديد، كمن يراقب ما قد يكون نهايتها”. لعله يمكن إضافة نقاط أخرى لهذه النقاط، منها سلسلة مشكلات تتعلق بقرارات مثيرة للجدل والرفض، للحكومة السابقة بشأن امتيازات الوزراء، كما تواجه السلطة الفلسطينية حملة إشاعات منظمة، بوثائق مزيفة، كتلك التي انطلقت بشدة تزعم أن الرئيس الفلسطيني وقع كتاباً يجيز فيه صرف أموال لزراعة شعر لأحد مسؤولي السلطة الفلسطينية. ومثل هذه الإشاعات، وهي كثيرة، وليست في موضوع واحد، تأتي إما من جهاز الدعاية الإسرائيلي، لبلبلة الشارع الفلسطيني، ولإضعاف السلطة الفلسطينية أكثر، عقاباً على مواقفها الأخيرة في رفض المقاصة ورفض التساوق مع السياسات الأميركية. أو جهة عابثة، أو ضمن تصفية حسابات سياسية، أو ضمن احتقان داخلي، وضمن الانقسام السياسي بين حركتي “فتح” و”حماس”، أو ضمن جهاز إعلامي من مقيمين في الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى ويتصلون بقياديين سابقين مفصولين من حركة “فتح”، ينشرون عادة وثائق وبيانات مشابهة.
لا شيء يلغي حق توجيه الانتقادات وحتى الاتهامات، بشأن الأداء الفلسطيني الرسمي في حالات مبررة، لكن حرب الإشاعات الحالية ربما لا تختلف كثيراً عن توغلات إسرائيلية يومية بما في ذلك الهجوم المسلح على مقر جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في نابلس، والتوغلات اليومية الإسرائيلية، فالمطلوب إضعاف السلطة الفلسطينية.
هناك أيضاً نوع من التشكيك العربي، خصوصاً من أصوات إعلامية، تنتقد الفلسطينيين، وتكرر “الأسطوانات” الأميركية الإسرائيلية، أن الفلسطينيين “لا يتركون فرصة حتى لا يضيعوا فرصة”، وأنهم بمقاطعتهم ورشة البحرين المزمعة يخطئون، ولا يحسنون إدارة الأمور، وهذه الأصوات لا تكلف نفسها عناء فهم الوضع الحقيقي على الأرض، وأن الاحتلال يدمر فرص الازدهار يومياً، وأنّ القيادة الفلسطينية بالغت في “إعطاء الفرص”.
رغم كل هذا الوضع، مخطئ من لا يرى علامات قوة في الموقف الفلسطيني، أول معالمه توحد أجزاء كبيرة من الفلسطينيين ورفضهم التسليم للإسرائيليين بما يريدون، ورفضهم أن مقولات الازدهار والسلام الاقتصادي مجرد قناع لتجميل الاحتلال وما يفعله لمنع حياة الفلسطينيين. أحد أبرز تجليات الموقف الشعبي الإيجابي هو عدم وجود احتجاج فعلي تقريبا على عدم تلقي أكثر من نصف الراتب منذ أشهر. حتى الاحتجاجات على اقتطاع الراتب في قطاع غزة توقفت، بعد أن كانت حتى شوارع الضفة الغربية تشهد مظاهرات تضامنًا مع اقتطاع الرواتب في غزة. لأول مرة منذ زمن طويل هناك شبه اتفاق بين قطاع واسع من المراقبين والأكاديميين والكُتّاب الفلسطينيين، بمن فيهم من يصنفون أنفسهم بالمعارضة، والموقف الرسمي.
هذا التوحد النسبي علامة قوة. وعودة لمقابلة اشتية مع نيويورك تايمز، فإنّه حذر أو “هدد”، وهو طبعا يعبر هنا عن موقف القيادة الفلسطينية ككل، وليس موقفا شخصيا، أنّه لن يكون هناك قرار بحل السلطة الفلسطينية، ولكن إذا انهارت “ستقود منظمة التحرير الفلسطينية المشهد”، والمقصود هنا أن استراتيجيات فلسطينية بديلة يمكن أن تنشأ فعلاً، واستراتيجية العودة للمنظمة لها معانٍ كثيرة.
من أهمية تصريحات اشتية أنها تعكس أن هذه الحكومة لها وجه سياسي يلائم المرحلة.
يحتاج الفلسطينيون خطابا أقوى كثيراً لتوضيح الموقف أمام الدوائر السياسية والشعبية والعربية والدولية لقطع الطريق على الخطاب الإسرائيلي الأميركي بشأن وجود أفق لترتيبات اقتصادية تلغي وتقلص الحاجة لإنقاذ عاجل للوضع السياسي والمعيشي، ويبقى تفعيل منظمة التحرير، وتحقيق وحدة فصائلها وتفعيلها، وتبنيها استراتيجيات شعبية جديدة أمرا أساسيا لا ينتظر انهيار السلطة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock