ترجمات

عندما يكون الخطاب السياسي الفلسطيني “تحريضاً”

صوفيا غودفريند* – (تيارات يهودية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

15/9/2021
في 11 حزيران (يونيو)، انضم محمد كناعنة إلى بضع مئات من المتظاهرين في مظاهرة أسبوعية ضد التوسع الاستيطاني في الشيخ جراح، وهو حي في القدس الشرقية أصبح بؤرة للاحتجاجات ضد تهجير الفلسطينيين. ووقف كناعنة، وهو مواطن فلسطيني في إسرائيل وزعيم بارز في حركة “أبناء البلد” القومية العربية العلمانية، تحت أشعة الشمس الحارقة وخاطب الحشد بالعبرية، داعيًا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي “من سلوان إلى الشيخ جراح، ومن عكا إلى غزة”. ثم التفت إلى صف جنود حرس الحدود الذي واجه الحشد، وهو يصرخ بهم “اخرجوا من الجيش”. وبعد فترة وجيزة من تفريق الاحتجاج، شارك كناعنة مقطع فيديو لخطابه كان شخص آخر قد قام بتحميله على “فيسبوك”؛ وفي غضون ساعات، كان مئات المستخدمين قد أعادوا مشاركة منشوره.
بعد ثلاثة أيام، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية كناعنة. وبحسب المتحدث باسم “عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل”، الذي يمثل كناعنة، فقد اتهمته الشرطة باستفزاز الجنود. وزعمت أنه من خلال نشر الفيديو، ارتكب جريمة نسبت إلى مئات النشطاء والمعارضين الفلسطينيين في الأعوام العديدة الماضية: التحريض على العنف.
أصبح التحريض تهمة شائعة بشكل متزايد منذ العام 2016، عندما أصدرت إسرائيل قانونًا محدثًا لمكافحة الإرهاب. وقد وسّع القانون التعريف القانوني للمصطلح ليشمل -ليس الكلام الذي “يدعو مباشرة إلى العنف” فقط، بل ويشمل أيضًا الكلام الذي، في حكم المدَّعين، “يعبر عن دعم للأعمال الإرهابية”، مع أو من دون وجود قرار بتنفيذها. وتُظهر تهم التحريض التي وُجهت ضد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين في الأعوام الخمسة الماضية أنه عندما يتعلق الأمر بالخطاب الفلسطيني على هذه المنصات، غالبًا ما تعرِّف الشرطة الإسرائيلية “الدعم” على أوسع نطاق ممكن: على سبيل المثال، عندما نشرت الشاعرة دارين طاطور فيديو لنفسها وهي تقرأ قصيدة بعنوان “قاوم، يا شعبي قاومهم”، مصحوبة بصور لفلسطينيين وهم يشتبكون مع جنود إسرائيليين، على “فيسبوك” و”يوتيوب”، واجهت التهمة نفسها التي كانت ستوجه إلى شخص يدعو إلى تنفيذ اعتداءات مميتة ضد مستخدِمين محددين.
وطبقت الشرطة الإسرائيلية القانون ضد المستخدمين الذين يعيدون تغريد أو يعجبون بالمنشورات التي تعرّفها قوات الأمن على أنها تحريضية. ووفقًا لربيع اغبارية، محامي “عدالة” الذي عمل في قضايا التحريض، يمكن أن يؤدي الرد على دعوة لحضور حدث ما إلى توجيه اتهامات جنائية للشخص المعنيّ. وبحسب اغبارية، قد يُحتجز الفلسطينيون لشهور من دون السماح لهم بالاتصال بمحام، وقد لا يتم إبلاغهم بطبيعة التهم الموجهة إليهم. وقد يُمنعون أيضًا من التحدث إلى الصحافة أو الوصول إلى الإنترنت أو مشاركة المعلومات المتعلقة بقضاياهم أثناء انتظارهم المحاكمة. وكانت هذه هي المحظورات التي فُرضت على كناعنة وهو رهن الاعتقال لمدة شهر، بينما قامت السلطات الإسرائيلية بتمشيط صفحته على “فيسبوك”، حتى تُكمل ملفه بمنشورات تتراوح من الاحتفالات باليوم العالمي للمرأة، إلى رسائل حداد على وفاة الأسرى السياسيين الفلسطينيين. وأوضح اغبارية أنه من خلال تفسير تعريف المحتوى المحرض بشكل فضفاض، تتخذ الشرطة في كثير من الأحيان من وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا للأدلة على التهم الموجهة ضد المعتقلين الفلسطينيين. وفي الواقع، في قضية كناعنة، ادعى فريق الادعاء الإسرائيلي أن الفيديو، وكذلك تلك التحديثات القديمة للحالة على “فيسبوك”، حرضت على ارتكاب أعمال عنف ودعمت الإرهاب.
منذ التصعيد الأخير للعنف في إسرائيل/ فلسطين في أيار (مايو) الماضي، كانت قضايا التحريض ضد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين في تصاعد، وفقًا لمركز “عدالة”؛ حيث تم تقديم 185 لائحة اتهام من هذا القبيل في أواخر الربيع والصيف. ويأتي انتشار هذه الاتهامات مع الاستخدام المتزايد لمنصات الإنترنت لإدانة الاحتلال العسكري الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني. وفي ربيع هذا العام، استخدم النشطاء الفلسطينيون “تويتر” و”تيك توك” لتنسيق إضراب عام غير مسبوق أدى إلى إغلاق الأعمال التجارية على جانبي الخط الأخضر؛ وفي الأشهر التي تلت ذلك، استمروا في بث مشاهد لمستوطنين أميركيي المولد وهم يستولون على منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية، ويشاركون تجارب العيش تحت الحصار في قطاع غزة مع العالم. وقد أطلق المتابعون السياسيون على هذه الموجة الجديدة من المقاومة اسم “انتفاضة التيك توك”. ولكن، حتى في الوقت الذي وجد فيه الفلسطينيون طرقًا جديدة للتجمع عبر الإنترنت، تمت معاقبة نشطاء بارزين على استخدام هذه المنصات. ومع إجبار شخصيات بارزة مثل كناعنة على الخروج من المشهد العام، قد يتم تخويف المنظمين الآخرين الذين قد يتبعون مثالهم وإجبارهم على الصمت.
يحدث التجريم الواسع لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين بينما يُترك المتطرفون اليهود الإسرائيليون أحرارًا في التحريض على العنف عبر المنصات أمام مرأى ومسمع السلطات. وخلال الحرب الأخيرة، قام “المركز العربي لتطوير وسائل التواصل الاجتماعي”، وهو منظمة فلسطينية للدفاع عن الحقوق الرقمية، برصد 183.000 حالة من الخطاب التحريضي والتحريض على العنف ضد الفلسطينيين من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي اليهود في إسرائيل/ فلسطين بين 6 و21 أيار (مايو)، وهو ما يرقى إلى زيادة تعادل 15 ضعفًا في الخطاب الذي يحض على الكراهية. ومن بين آلاف المنشورات التي أرشفتها “حملة” التي رصدت هذه الممارسة، دعا كثيرون من الإسرائيليين إلى ارتكاب أعمال الاغتصاب والقتل ضد الفلسطينيين، فضلاً عن تدمير ممتلكاتهم وأعمالهم التجارية. ومع ذلك، من بين الـ185 لائحة اتهام تتعلق بتهم التحريض التي تم تقديمها رداً على أحداث أيار (مايو)، كانت 30 منها فقط ضد يهود إسرائيليين. وفي غضون ذلك، اعتقلت الشرطة ما يزيد على 2.000 فلسطيني في الفترة ما بين 10 و21 أيار (مايو).
في بعض الحالات، استخدم المتطرفون اليهود منصات وسائل التواصل الاجتماعي -ليس فقط لمضايقة حسابات الفلسطينيين، وإنما لإرساء الأساس لأعمال عنف حقيقية شبه مميتة أيضاً. وقد استخدمت الميليشيات اليمينية -المكونة من مستوطنين مسلحين وشباب من أتباع الفكر اليهودي الكهاني المتعصب- منصات على الإنترنت، مثل مجموعات “واتس-أب” و”تيلغرام” و”فيسبوك” لتنسيق الهجمات على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في مدن مثل بات يام وحيفا واللد. وعلى شبكات “فيسبوك” ومن خلال الدردشات المشفرة، اختاروا المحلات التجارية المملوكة لفلسطينيين لاستهدافها، وناقشوا الأسلحة التي يجب استخدامها ومكان الحصول عليها، وحددوا الأماكن والأوقات التي ستجتمع فيها العصابات العنيفة. وقالت أليسون كارمل، منسقة التواصل الدولي في “حملة”: “لقد استطعنا أن نرى الهجمات بينما يجري التخطيط لها”، متذكّرةً العثور على “آلاف الحسابات التي تدعو إلى قتل العرب، أي إلى استخدام العنف الحقيقي”.
تثير السهولة التي عثرت بها هيئات رقابة مستقلة مثل “حملة” على نقاط التقاء المتطرفين عبر الإنترنت تساؤلات حول كيفية إغفال السلطات لهذه المجموعات. (ج)، هو ناشط يهودي إسرائيلي يتتبع الجماعات اليمينية المتطرفة، والذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب طبيعة عمله، وقد وصف الميليشيات بأنها تتكون إلى حد كبير من شباب يهود إسرائيليين يفتقرون غالبًا إلى مهارات الأمن الرقمي الأساسية. ويمكن التعرف بسهولة على العديد من أسمائهم القانونية الحقيقية وأرقام هواتفهم. وقال (ج) :”إنهم لا يحاولون حتى إخفاء أشياء مثل بيع الأسلحة. إنهم يعلمون أن السلطات لن تستهدفهم”.
“كل المجموعات مفتوحة”، يوافق أوري كول، مؤسس منظمة مراقبة الإعلام الإسرائيلية “المراسل المزيف”، التي تتعقب المعلومات المضللة والتطرف على الإنترنت. حتى أن “المراسل المزيف” تواصلت مع السلطات الإسرائيلية في ذروة أعمال العنف في أيار (مايو)، وعرضت تقديم مساعدتها في قمع مجتمعات الإنترنت اليهودية التي تنسق الهجمات على الفلسطينيين. وقد بحث باحثو المنظمة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخيوط الرسائل، وتبادلوا لقطات من المحادثات مع السلطات، بما في ذلك بعض التي أظهرت الأسماء القانونية وأرقام الهواتف للمتطرفين المسلحين. ولكن، وفقًا لكول، رفضت الشرطة التصرف بناءً على المعلومات، ما سمح بوقوع الهجمات على الرغم من الكم الوافر من التحذير. وقال كول: “أريد أن أصدق أن (السلطات) لم تفهم خطورة ما كان سيحدث، أو أنها لم تستطع مراقبة كل مجموعة، لكن توثيق ذلك كان سهلاً للغاية. وتتطلب عدم مراقبة هذه الأشياء جهداً منسقاً”.
يتوافق سلوك هؤلاء المستخدمين اليهود مع التعريف القانوني للتحريض -وفي الحقيقة، استمر بعضهم في ارتكاب أعمال عنف شديدة وضربوا مدنيين فلسطينيين، مثل موسى سعيد، في بات يام حتى شارف على الموت. ويُظهر عدم وجود رد رسمي أنه، على حد تعبير اغبارية، “هناك أحكام لليهود وأخرى للعرب. وهناك قلة قليلة من (اليهود الإسرائيليين) مسجونون فعلياً بسبب هذه الأنواع من الأشياء”.
وليست السلطات الإسرائيلية هي الوحيدة التي تفرض معايير مزدوجة على الأنشطة الرقمية لليهود والفلسطينيين في إسرائيل/ فلسطين. غالبًا ما تكون الخوارزميات التي تعتمد عليها شركات وسائل التواصل الاجتماعي العملاقة في الإبلاغ عن الكلام غير قادرة على التمييز بين المحتوى التحريضي والمحتوى غير الضار. ونتيجة لذلك، قد تضع علامة على كلمات عربية مثل “شهيد”، حتى لو ظهرت في قصيدة أو أغنية من دون أي إشارة إلى العنف، أو أنها قد تخلط بين اسم مستخدم فلسطيني -على سبيل المثال، “قسام”- وبين تنظيم متشدد مثل “كتائب القسام”. ولهذا السبب، وصف نديم الناشف، المدير التنفيذي لـ”حملة”، مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين بأنهم “خاضعون لرقابة مزدوجة”. وفي أيار (مايو) الماضي، قام موقع “حملة” بفهرسة 500 حالة أفاد فيها مستخدمون فلسطينيون بأن شركات تطبيقات التواصل الاجتماعي انتهكت حقوقهم الرقمية، بما في ذلك عن طريق وضع علامة على منشوراتهم أو إزالتها وحظر حساباتهم.
استجابت “حملة” بدعوة شركات وسائل التواصل إلى إلغاء قراراتها، والضغط من أجل إعادة عشرات الآلاف من الملفات الشخصية والتغريدات والصور الخاضعة للرقابة. لكن منصات التواصل الاجتماعي غير مجهزة -أو غير راغبة في الاستجابة لمثل هذه النداءات. إنها لا ترد على طلبات الإلغاء، وتتجاهل الرسائل المتعلقة بالاجتماعات. وتصدر “حملة” تقريرًا سنويًا يرصد خطاب الكراهية ضد الفلسطينيين عبر الإنترنت، ولكن لا يبدو أن النتائج التي تتوصل إليها تؤثر على سلوك شركات التكنولوجيا. عندما يتعلق الأمر بقمع الخطاب الفلسطيني، تقول كارمل: “نحن نرى المزيد من الشيء نفسه، إن لم تكن الأمور تزداد سوءًا”.
يُمنع الفلسطينيون الذين يواجهون تهمًا بالتحريض أحيانًا من التحدث إلى الصحافة أو النشر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تنتهي محاكماتهم، وفقًا لمركز “عدالة”، مما قد يتركهم خارج المجال العام لعدة أشهر. وقد أُمِر محمد كناعنة، الذي خرج من الاعتقال في 14 تموز (يوليو)، بعد شهر من اعتقاله، بالبقاء تحت الإقامة الجبرية في منزله في شمال إسرائيل طوال مدة محاكمته. ويستأنف الادعاء الإسرائيلي قرار الإفراج عن كناعنة، في محاولة لإعادته إلى السجن. وفي غضون ذلك، منعت محكمة الصلح في القدس كناعنة من الوصول إلى الإنترنت أو إجراء المقابلات أو التحدث أمام أي جمهور. وحتى في الوقت الذي يحتفل فيه الكثيرون بعصر جديد من النشاط على الإنترنت، في حالته وغيرها، تفرض السلطات الإسرائيلية رقابة على خطاب الفلسطينيين، وتعزلهم عن الفضاء العام على الإنترنت، مثلما تفعل معهم خارجه.

*Sophia Goodfriend: طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة ديوك، تتناول أبحاثها أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والحقوق الرقمية. تقيم حاليا في القدس.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: When Palestinian Political Speech Is “Incitement”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock