أفكار ومواقف

عندما ينقلون البندقية من كتف لآخر

قد يُخيّل للقارئ من عنوان هذا المقال، أن كاتبه يُريد أن يتحدث عن أولئك المنضوين تحت حزب سياسي ما أو تنظيم معين أو فصيل مقاومة، تتبع كل واحدة منها لجهة أو دولة أو حتى شبه دولة، ويقومون بتغيير مبادئهم، التي كان يظن البعض أنها راسية جذورها في الأعماق. نعم مبادئ، حتى لا أقول أفكارهم، فالفكر أو الرأي قد يتغير عندما يتم معرفة خطئه، أو أن الطرف الآخر فكرته أو رأيه أكثر نضوجًا أو صوابًا أو أقرب للواقعية.
وإن كان ذلك صحيحًا تمامًا، إلا أنني أقصد أولئك الذين يكذبون ليل نهار، من أجل تحقيق مصالح ضيقة، ظنوا للحظة أنها سترفع من شأنهم، كما أقصد أولئك الذي يعملون في العمل العام، وهمهم الأول والأخير مصالح شخصية، بعيدة كل البُعد عن المصلحة العامة.
تلك الشريحة، كانت وما تزال، تُمارس الكذب، الممزوج بالوطنية والانتماء والإخلاص تارة للوطن أو المؤسسة التي يعملون بها، وتارة أخرى يمزجونه بالخوف على مصلحة زملاء العمل، حيث يقومون بنسج حيل ونظريات وأقاويل وتأويل، لأحداث أو قضايا ستحدث، إن هم غضوا الطرف عنها، وكأن لسان حالهم يقول إنهم «خائفون على رزقة فلان من أن تنقطع، أو مهمومون جراء الأوضاع التي آلت إليها مؤسستهم»… وللأسف كل ذلك كذب بكذب، فعندما «يغنمون» يُديرون ظهورهم لمن وقف بجانبهم، ليكتشف الأخير بأنه كان أداة فقط، لتحقيق منفعة لأصحاب الكذب المنمق.
المشكلة أن هذه الشريحة، أو بمعنى أصح صاحبة الكذب، القائم على الجُبن، لتحقيق مغانم كثيرة، يصل بها «الجنون» أو «النرجسية» أو «الوسواس القهري»، إلى مرحلة من اليقين بأنها قادرة على إقناع من حولهم سواء أكانوا زملاء في العمل، أو متابعين لهم على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، لا بل تصل إلى درجة أنها قادرة على التأثير بهم، وجرهم حيث يشاؤون، وكأنهم «أغنام» يتم اقتيادهم إلى حيث أراد المخادع، الذي كان يُوهم من حوله بأنه صاحب مبدأ وإرث قتالي، ورثه عن آبائه وأجداده.
أولئك المرضى النفسيون، يتناسون، أو يغضون الطرف عن إحدى مقولات القائد العسكري والسياسي الفرنسي، نابليون بونابرت، عندما قال «إن الكذب لا يخدع إلا مرة واحدة»، فهذه الفئة لا يهمها إلا نفسها فقط، وما أكثرهم في هذه الأيام.. والغريب في الأمر، الذي يصل إلى مرحلة الشطط، بأنهم عندما يظفرون بغنائمهم، ويخرجون رويدًا رويدًا من المشهد، يعودون ليقوموا بالتمثيلية نفسها، غير آبهين بشعور من تسببوا بظلمهم أو خدعوهم، إلى درجة أنهم يستهزئون بهم أو بعقولهم، ولا يلقون بالًا حتى لمقولة الفيلسوف اليوناني، أرسطو، «الكذابون خاسرون دائمًا، ولا سيما أن أحدًا لا يصدقهم، حتى ولو صدقوا».
وحتى أكون منصفًا، فإن من حول تلك الشريحة، تقع عليهم مسؤولية أيضًا، لا بل مسؤولية كبيرة، فهم من سمح لأولئك بأن يتمادوا، ويُسرفوا بالتعامل بكل استخفاف معهم، فالأصل أن لا يكون هناك «سُذّج» لهذه الدرجة، أو طيبون لدرجة مبالغ فيها.. وكأني أرى تحقيقًا لرأي عميد الأدب العربي، طه حسين، عندما حمل المسؤولية للمخدوعين، قائلًا «لو أدبه الشعب حين كذب كذبته الأولى، ما عاد للكذب مرة أخرى».

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock