أفكار ومواقف

عنصريتهم أمام محاكمهم

حضرت في الأيام الماضية جلستين مطولتين في قضية محاكمة عضو الكنيست محمد بركة، التي رفعتها ضده المؤسسة الاسرائيلية “بتهم” التصدي لجنود الاحتلال وشرطته في مظاهرات ضد الحرب والاحتلال. وهذه ليست المرّة الأولى التي أحضر فيها مثل هذه المحاكم السياسية، والتي تصنفها نيابة إسرائيل ومحاكمها على أنها محاكمات “جنائية”، ولكن من جهتنا فإنها محاكم تصطدم فيها العنصرية الإسرائيلية مع جهازها القضائي الذي لا يمكننا أن نثق به؛ فالإيجابيات فيه حالات استثنائية، تكون عادة أمام واقع اللامفر.
وتحاكم إسرائيل النائب بركة في “تهتمين”: الأولى، بأنه “اعتدى” على جندي احتلال في مظاهرة بلعين في العام 2005، ما أسفر عن افلات شاب فلسطيني من الاعتقال؛ والثانية، أنه “اعتدى” على عنصر من اليمين المتطرف جاء هو ليعتدي على مظاهرة في تل أبيب ضد الحرب على لبنان في صيف 2006.
ومن قبل، وفي لائحة الاتهام ذاتها، لم يكن للمحكمة أي مفر إلا شطب “تهمتين” أخريين شملهما الملف، واحدة بأنه “صفع ضابط شرطة بإصبعه” خلال مظاهرة أخرى في تل ابيب ضد الحرب على لبنان؛ والثانية “إهانة” ضابط شرطة خلال مظاهرة ضد وزير الحرب إيهود باراك في مدينة الناصرة، وهذا بعد أن قدم فريق الدفاع أمثلة عديدة على حالات مشابهة لم تقدم فيها النيابة لوائح اتهام، خاصة ضد أعضاء كنيست يهود.
وفي الجلستين، استمعت المحكمة إلى عدد من شهود النيابة بغالبيتهم الساحقة من جنود الاحتلال وشرطته. وقد كانت تلك الشهادات بتناقضاتها الكبيرة والواضحة مشهدا لا أقل من مسخرة. وفي سياق طبيعي، كان على القاضي أن يستنتج الأمر البديهي، فلا يحتاج حتى إلى الاستماع لشهود الدفاع، إلا أن المحكمة ستستمر، ومن الصعب رؤيتها تنتهي خلال فترة قصيرة، لأن الهدف منها ليس البحث عن “العدالة” الغائبة أصلا عن جهاز القضاء الإسرائيلي، وإنما تصعيد الملاحقات السياسية لقيادات بارزة من فلسطينيي 48.
فالمنطق الطبيعي لا يقبل حتى بـ”تهمة” بلعين، فكيف من الممكن لعربي أن يستطيع خنق جندي احتلال مدجج بالسلاح ومحاط بثلة من الجنود. وليسوا جميعا عرفوا أن “المعتدي” هو عضو كنيست ويدعى محمد بركة، كما أفاد أحد الشهود، في حين أن شاهدا آخر، وكان مستترا في المحكمة خلف ساتر، وصف النائب بركة بأنه “قصير القامة”، وهو وصف جعل القاضي لا يتمالك نفسه من الضحك. وحينما سأله محامي الدفاع حسن جبارين، ساخرا، ما هو التعريف القانوني “لقصير القامة”، أجابه القاضي أيضا ساخرا: من 190 سنتيمترا وما فوق.
الأمثلة كثيرة لا مجال لعرضها، كما أن التعليق عليها قد يؤثر على عمل الدفاع، ولكن الهدف من طرح القضية هنا هو عرض نموذج لمسلسل المحاكمات السياسية التي تواجهها شخصيات سياسية من فلسطينيي 48. ونحن نصر على أنها ملاحقات سياسية تهدف إلى ترهيب جماهير فلسطينيي الداخل، وردعهم عن النضال. وهذه محاكمات إن شهدنا منها الكثير في السنوات الأخيرة، فهي ليست جديدة، وانطلقت مع بدايات إسرائيل وتتواصل.
على الرغم من أننا الحاضرون في جلسات المحكمة ضحكنا مطولا من فضائح تناقضات الشهادات وفشل مساعي النيابة لتنسيق الإفادات بين الشهود، إلا أن حالات الاشمئزاز كبيرة من هذا النوع من العنصرية الإسرائيلية التي لا تصل بتفاصيلها الدقيقة إلى وسائل الإعلام؛ ففي هذا نوع من التنكيل بشخصيات قيادية لها باع طويل في النضال، تريد لها إسرائيل الرسمية أن تجلس في قفص الاتهام مع تصنيف “جنائي”، أي إدراج اسمها بين الجنائيين في تهم سياسة انتقامية رخيصة من مؤسسة تتملكها عقلية الإجرام ضد الإنسانية.
في هذه المحاكمة، كما في محاكمات أخرى، تصطدم العنصرية الإسرائيلية مع جهازها القضائي. ولأن العنصرية من حيث المبدأ تنبعث من عقول مريضة ينقصها المنطق الإنساني، نجد فيها الكثير من الغباء واللامنطق لدى اصطدامها مع الواقع. وهذه المعادلة برزت كليا في هذه المحاكمة. وطبعا، لا أحد يستطيع الرهان على كيفية انتهاء المحاكمة أو جولات الاستئناف إن وجدت، لأن حالة اللامنطق تطال كل مؤسسات إسرائيل الرسمية، بما فيها جهازها القضائي.

[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock