أفكار ومواقف

عن التفكير الجمعي في مستقبل المعرفة

ثمة اتجاهات جديدة في اقتصاد المعرفة تحتاج إلى وعي مجتمعي واسع وشامل وأن تكون جزءا من المجال العام في الفكر والعمل والتدريب والتعليم والتعلّم المستمر، وإذا لم تتحول إلى محتوى دائم الحضور في الفضاء المجتمعي والتعليمي والإعلامي فإنها برغم أهميتها القصوى لن تحل في الأعمال والمهارات الضرورية، ومن هذه الاتجاهات: الطاقة الجديدة والمتجددة، والمواد الجديدة والمطورة، والبرمجة المتقدمة، والروبوتات، والطابعات ثلاثية الأبعاد، وسلاسل الكتل (بلوكتشينز block chains)، والمنصات والساحات التعليمية في الشبكة، والمهارات المعرفية الجديدة المطلوبة للعمل والتأهيل للأسواق. ويحيط بهذه المهارات والاتجاهات منظومة فكرية جديدة (نسبيا) مثل التفكير الناقد والفلسفة والإبداع، وقيم وفلسفات المساواة والثقة والإتقان والتنافس والبيئة والحقوق العامة والفردية.
نتذكر موجة الكمبيوتر ثم الانترنت التي اجتاحت بلادنا ومجتمعاتنا قبل ثلاثين سنة، وكيف تحولت إلى قطاع اجتماعي واقتصادي واسع، كتب ودورات تعليم الحاسوب، بيع وصيانة الأجهزة، وقد ساعد انتشار صناعة الحاسوب في دول جنوب شرق آسيا على تخفيض كلفتها وأن تكون جزءا من كل بيت ومؤسسة تقريبا، بعدما كان وجودها محدودا، وكان واضحا أن القدرة على الترقي والاستمرار في العمل يحتاج إلى اكتساب مهارات استخدام الحاسوب والشبكة. اليوم يبدو ذلك بديهيا وتلقائيا، لكنه إنجاز رائع ومتقدم لم يكن ليتحقق لولا الوعي والإقبال المجتمعي الواسع والاستجابة الجيدة من الحكومة وخاصة وزارتي التخطيط والتربية وكذلك النقابات المهنية والجامعات. تعلمنا في المؤسسات والدورات التدريبية كيف نستخدم الكمبيوتر والانترنت والإيميل، كان ذلك مدهشا! وأتذكر أن مؤسسات تدريبية تجارية كانت تنظم دورات لتعليم استخدام الانترنت والبريد الالكتروني بمائة وعشرين دينارا للدورة!
اليوم نحتاج إلى خطوة جديدة تشارك فيها الجامعات والنقابات المهنية والوزارات والمؤسسات العامة؛ إضافة إلى البنوك وشركات الاتصالات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني؛ لإشاعة معرفة متقدمة في الجيل التالي من اقتصاد المعرفة، ويجب القول إن معظم إن لم يكن جميع ما يظهر اليوم في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من تدريب ومهارات ومبادرات هو أقرب إلى الوهم والشعوذة، فليس هذا ما نحتاجه، بل هذا بالتحديد ما نحتاج إلى التخلص منه، فهي أعمال وأفكار مليئة بنقص المعرفة والاستخفاف والفهلوة. لكن نحتاج إلى تدريب وتعليم متقدم ومتخصص، فما يحتاجه الناس جميع الناس سواء التلاميذ في المدارس وطلبة الجامعات والشباب المتخرج والباحث عن العمل إضافة إلى العاملين من كل الأجيال والمواقع هو “فكر متخصص لمثقف عام” تمكنهم من استيعاب التحولات والمستجدات في الفكر والأعمال والاقتصاد والمستقبل والتنظيم الاجتماعي والأخلاقي في ظل أوضاع اقتصادية وسياسية جديدة ومختلفة، .. وما نراه من عمليات تسلية ومقولات وشعارات عامة تحت اسم تدريب ومبادرات وريادة وإبداع؛ لا تفيد شيئا سوى عشاء بوفيه في فنادق وقاعات أنيقة.
وبالطبع ثمة حاجة ضرورية لمنظومات من الإبداع والفكر الناقد والريادة، لكن هذه المنظومات بالتحديد ليست مهارات مباشرة يمكن تلقيها في دورة تدريبية، بل هي محصلة لعمليات واسعة من العمل والقيم والمتطلبات والفلسفات والاتجاهات والأعمال، فالإبداع يتحقق في بيئة تعليم وعمل ملائمة تقوم على الحريات والبحث والتفكير وتعلم الفلسفة والفنون والآداب والاستماع والحوار، والفكر الناقد ليس سوى قيم الموضوعية والنزاهة والبحث الصادق عن الصواب مصاحبا لعمليات واسعة من ممارسة البحث العلمي والسؤال والاستقراء والاستنتاج والاستنباط والتوقع والتحليل والترجيح، والريادة هي محصلة بيئة من الأعمال والأسواق والمؤسسات القائمة على الحريات والتنافس والمغامرة.
معظم ما نفعله في هذا المجال محاولة للبدء بالدرجة الأخيرة من السلم، ويغيظونك أكثر عندما يكررون بمناسبة وبغير مناسبة لأجل التحفيز وحث الهمة قصة فيسبوك والشاب الجامعي المغامر الذي أنشأ إمبراطورية للتواصل غيرت العالم!! لكن لا أحد يريد أن يقول لك لماذا كانت مؤسسات مثل ميكروسوفت وأبل وفيسبوك وأمازون وغوغل في الولايات المتحدة وليس في المكسيك مثلا أو بوركينا فاسو!!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock