تحليل إخباري

عن العلاقة بين بايدن ونتنياهو

أمجد تادرس

في مقال له بصحيفة (نيويورك تايمز) شرح (مايكل كرولي)، المحرر الدبلوماسي للصحيفة، طبيعة العلاقة التاريخية والمعقدة التي تربط الرئيس الأميركي (جو بايدن) ورئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو).

وقال إن هذه العلاقة تعود إلى الثمانينيات عندما كان (بايدن) سيناتورا شابا، وكان (بنيامين نتنياهو) يعمل في السفارة الإسرائيلية في واشنطن. في تلك المرحلة، كان (بايدن)، مثله مثل معظم الديمقراطيين في الكونجرس، من أشد المؤيدين لإسرائيل بالأخص من الناحية الأمنية. كان هذا بالطبع من أهم أولويات (بنيامين نتنياهو)، كما هو الحال بالنسبة لجميع السياسيين الإسرائيليين.

في عام 1996، أصبح نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ولكنه هُزم بعد ذلك بسنوات قليلة عام 1999. وعندما فقد (نتنياهو) منصبه، أرسل (بايدن) إليه خطابًا يشيد به، ورد (نتنياهو) على رسالة (بايدن) بحرارة شديدة قائلاً: «أنت السياسي الأميركي الوحيد الذي كتب إليّ بعد هزيمتي.»

في عام 2009، تم انتخاب (باراك أوباما) رئيساً للولايات المتحدة وأصبح (جو بايدن) نائباً للرئيس كما عاد (نتنياهو) لسدة الحكم في إسرائيل. وعادت العلاقة بين الرجلين على مستوى جديد وعال هذه المرة. ومن الواضح أن (نتنياهو) لم يكن مرتاحاً أبداً لآراء (باراك أوباما) أو سياساته تجاه إسرائيل واعتقد أنه لم يأخذ الأمن الإسرائيلي على محمل الجد بما فيه الكفاية. ولجأ (نتنياهو) إلى صديقه القديم باعتباره الشخص الذي يمكنه التواصل معه بشكل أكثر فاعلية. وأصبح (بايدن) نقطة الاتصال الرئيسية بين إسرائيل والحكومة الأميركية.

في عام 2010، زار (جو بايدن) إسرائيل في زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى، في محاولة لوضع «العلاقات بين إدارة (أوباما) وحكومة (نتنياهو) على أسس جيدة وأكثر إيجابية،» وإيجاد أفكار جديدة للتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ومع أن إدارة (أوباما) اوضحت أنها تأمل في أن تحد الحكومة الإسرائيلية من بناء مستوطنات جديدة في المناطق الفلسطينية المحتلة، إلا أنه في اليوم الأول لزيارة (بايدن) أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطط لبناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية. الخطوة التي نُظر إليها على أنها صفعة قوية في وجه إدارة (أوباما)، وربما (أوباما) نفسه.

وكان من المخطط أن يلتقي الرجلان على العشاء في نفس ذلك اليوم. وهاتف مسؤولون كبار في البيت الأبيض (بايدن) وطاقمه طالبين منه إلغاء حفل العشاء والعودة لواشنطن. إلا أن (بايدن) أصر على البقاء والذهاب إلى حفل العشاء وجادل بأنه من الأفضل التحدث مع (نتنياهو)، وليس تصعيد الموقف علناً، ومحاولة التفاهم معه.

ونقل عن (بايدن) قوله: «يمكنني أن أفعل المزيد من خلال الدخول والتحدث معه والتفكير معه بهذا النوع من اللغة المشتركة التي نتحدث بها دون تفجير الوضع إلى أزمة دبلوماسية كبيرة.»

هذه الحادثة تعبر عن النظرية التي يعمل بها (بايدن). فهو يؤمن بأن السياسة تكون مدفوعة دائماً بالعلاقات الشخصية. في خلال المواجهة الأخيرة بين إسرائيل والفلسطينيين، وضعت هذه النظرية والعلاقة بين الرجلين قيد الاختبار مرة جديدة. فمنذ بداية الصراع كان الرئيس (بايدن) حذرًا جدًا في تعامله معه. فالرجل كان يقف في الوسط بين أعضاء الكونجرس الجمهوريين الذي هاجموا الرئيس مطالبين من إدارة (بايدن) بأن «تقدم في بيان قوي لدعم أقرب صديق وحليف لنا في الشرق الأوسط، إسرائيل.» وقال بعضهم أنه يجب على (بايدن) القول «أنه يتوقع من إيران وحماس الكف عن إرهاب شعب إسرائيل. ويمكن لشعب إسرائيل أن يتوقع من الولايات المتحدة أن تقف إلى جانبهم حتى يتم تدمير حماس.»

وفي الوقت نفسه، ثار العديد من الديمقراطيين من حزب (بايدن) متسائلين: «ما الذي يستغرق وقتًا طويلاً؟ ماذا تنتظر؟ الأطفال يموتون في غزة. عليك أن توقف العنف.» وحصلت نقطة تحول في موقف (بايدن) أثناء زيارة ليس لها علاقة بما يحدث في غزة عندما هبطت طائرته يوم الثلاثاء في مطار (ديترويت) حيث واجهته على سلم الطائرة عضوة الكونغرس عن ولاية (ميشيغان) – وهي من أصول فلسطينية – رشيدة طليب والتي قالت إن الجدل في واشنطن يميل تمامًا لصالح إسرائيل. وقالت إنه بعدم اتخاذ (بايدن) موقفا متشددا تجاه إسرائيل، فإن الرئيس «كان يخون التزامه بحقوق الإنسان.»

ومع تزايد الضحايا بين المدنيين وخصوصاً الأطفال في قطاع غزة تعالت الأصوات الداعية لحماية الفلسطينيين وإنهاء العنف. فبدأت الأصوات من الديمقراطيين الأكثر اعتدالًا، مثل السناتور (بوب مينينديز) وعضو الكونجرس (آدم شيف)، وانضم إليهم ديمقراطيون يهود، مثل (جون أوسوف) و(جيري نادلر)، الذين تزايد استعدادهم لانتقاد إسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين بعبارات كان من الممكن أن يُنظر إليها على أنها نوع من المحرمات في السابق.

موقف (بايدن) الذي بدأ في تصريح يتماشى إلى حد كبير مع السياسة الأميركية التقليدية، شدد فيه على دعمه «لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من هجمات حماس الصاروخية.» وتحدث بعدها – يوم الثلاثاء – مرتين مع صديقة (نتنياهو) مستخدماً عبارة «وقف إطلاق النار» لكنه لم يطلب أو يدعو علناً إلى ذلك.

ويقول (مايكل كرولي) أن (نتنياهو) يفهم جيداً أنه يستطيع تحمل خسارة الديمقراطيين الليبراليين، الذين ينتقد بعضهم إسرائيل منذ سنوات وربما يمكنه أن يحمل رؤية بعض الديمقراطيين الأكثر اعتدالًا يتأرجحون قليلاً في خضم أزمة يأمل أن تمر إلا أنه يعرف أنه لا يستطيع أن تحمل خسارة الرأي العام الأميركي. هو يحتاج إلى تدعيم موقفه أمام الرأي العام الأميركي ومنع المزيد من انتشار هذا الشكل الجديد من التفكير حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي اليوم التالي، وتحت ضغط من حزبه بدأ موقف (بايدن) بالتحرك نحو الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار محاولاً إرضاء العديد من أعضاء حزبه ولكن في نفس الوقت الحفاظ بعلاقته التاريخية مع (نتنياهو) الذي يعرف (بايدن) أنها ستختبر مرة أخرى في الأيام القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock