أفكار ومواقف

عن المزاج العام وقلق الرؤساء السابقين

زيد نوايسة

استحوذ النقاش العام في البلاد خلال الأسبوعين الأخيرين على مداخلات عدد من رؤوساء الوزارات السابقين والشخصيات السياسية؛ وقد غلب عليها الطابع النقدي لبعض مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وتركزت في معظمها على ما ورد في الديباجة من توصيف للهوية الأردنية باعتبارها الهوية الوطنية الجامعة؛ المخرجات التي توافقت عليها اللجنة وابرزها مشاريع قانون الانتخاب وقانون الأحزاب والتعديلات الدستورية لم تنل ذات الاهتمام بالرغم من أنها جوهر التحديث السياسي والمفترض أن تأخذ الجزء الأكبر من الحوار.

ما جاء حول الهوية الوطنية الجامعة ليس جديداً على كل حال؛ من ناحية المعنى والمضمون؛ كان حاضراً في الادبيات السياسية الأردنية الموثقة على الأقل بعد قرار فك الارتباط سنة 1987، كتب التكليف الملكي والبيانات الوزارية وحتى الردود على خطب العرش كانت تتحدث بشكل منسجم أو متوافق مع التوصيف المشار له في الديباجة والذي يعرف الهوية الوطنية الأردنية التي اخذت شكلها بعد قيام الامارة في العام 1921، ولكن هذا لا ينفي إنكار وجود جدل جذري وعميق حول الهوية لا يمكن حسمه الا بربطها مع المواطنة وإعلاء شأنهما معاً.

من الطبيعي أن يطغى هذا الحوار على المشهد العام؛ الاتفاق والاختلاف في النهاية شكل من اشكال الديمقراطية وظاهرة يجب تفهمها عندما يتعلق الأمر بتحول تاريخي في الحياة السياسية يأمل حدوثه في السنوات المقبلة؛ ولكن الخطورة في الأمر شيطنة الرأي والرأي الاخر والصاق اتهامات وتوصيفات تعيدنا الى مرحلة اعاقت تطورنا سياسياً خلال العقود الماضية نتيجة حصرية احتكار الحقيقة لنخب سياسية معينة دون غيرها؛ ودون الاعتراف لاحقاً بأنها تتحمل جزءا مما آل إليه حالنا أو على الأقل أن تقدم مقاربة نقدية موضوعية لتجربتها في الحكم ولكن مع ذلك هذا لا يعني مصادرة حق أي جهة في الإعلان عن رأيها وهواجسها بكل وضوح إذا كان المنطلق هو اغناء التجربة وتحصينها.

لنعترف أن المزاج العام قلق ومتشنج من مجمل النخبة السياسية ولديه موقف سلبي من أي طرح سياسي؛ سواء من تلك التي تعاقبت على إدارة البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة وتحديداً النخب التي حملها التحول الديمقراطي بعد انتخابات 1989 ومؤتمر مدريد لصدارة المشهد السياسي أو التي تجلس على مقاعد الحكم في الحكومات، هناك حالة لا يمكن انكارها من انعدام الثقة بين الشارع وأدوات التعبير السياسي المختلفة؛ حكومات وبرلمان وأحزاب، معالجتها تحتاج هدوءا وحوارا بعيداً عن الأحكام المسبقة التي تتعامل مع الرأي المخالف بأنه عدمي وغير منتج.

حتى ما تسرب عن خلافات في وجهات النظر داخل ما يمكن وصفهم بذخيرة الحكم الاستراتيجية ورجالات الدولة في مجلس الملك (مجلس الأعيان) وقد تم التعبير عنه بصيغ مختلفة سواء الموقف من التعديلات الدستورية بما فيها المقدمة من الحكومة حول تشكيل مجلس للأمن الوطني والسياسة الخارجية بالإضافة للموقف من مجمل المخرجات ومن الحياة الحزبية بشكل عام يمكن تفهمه في إطار الاشتباك الإيجابي الذي يريد استبعاد أي كمائن في النص الدستوري قد يساء تفسيرها أو توظيفها.

في المحصلة؛ لا خيار امام الأردنيين، حكومات ومواطنين وأحزاب، الا المضي باتجاه هذا التحول باعتباره بوليصة تأمين لبقاء الدولة صامدة امام أي هزات لم يعد أحد يملك أن يكون بمنأى عنها الا بمشاركة الجميع دون إقصاء أو استحواذ؛ فنحن لا نعيش وحدنا بجزر معزولة وعلينا أن نكون جزءا من العالم، في حقبة الربيع استطاع الأردن أن يعبر بسلام والمهم أن تكون الأرضية مُهيئة للعبور للمئوية الثانية بشكل متدرج بعيداً عن القفزات غير مضمونة النتائج.

المقال السابق للكاتب

تأسيس الأحزاب: المهم برامج واقعية ومقنعة للناس

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock