أفكار ومواقف

عن الوثيقة ” والجن ” وأشياء أخرى

مرسي أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر السياسي منذ عصر الفراعنة، وقد قضى أمس بريئاً مما نسب إليه، لأن المتهم برئ حتى تثبت ادانته، أما أن يموت محروماً من قول كلمة أمام القضاء ــــ إن صحت الأخبارــــ فهذا ما ترتعد له الفرائس وتقشعر منه الأبدان، والدرس من هذا جميعه؛ أن الحرية واحترام حقوق الإنسان أولى بالرعاية من الأيديولوجيا أو التدين، فالتدين بحد ذاته أمر مختلف عليه بين الناس، وكل شخص أو طائفة تعتقد أنها صاحبة العقيدة الصحيحة ومعتقداتها عنوان الحقيقة؛ مما أدى الى تلطيخ الأديان وتاريخها بدم التعصب الطائفي وإقصاء الآخر، ولهذا جاءت فكرة منظومة حقوق الإنسان وحرياته باعتبارها منظومة حقوقية حيادية تكفل حقوق الإنسان وحرياته بغض النظر عن معتقداته، بل وتكفل تلك المنظومة حرية التدين أيضا، ولكنها تحول بين التدين وبين استغلاله لقمع الحريات وحقوق الأفراد السياسية والفكرية.
وفي هذا السياق فإن تسونامي مسلسل “جن” ليس اختلافا حول سيناريو مسلسل أو حول مشاهد “تخدش الحياء العام”، ذلك أن عرسا من الأعراس التي تقام عندنا قد تمثل في عين البعض مسلسلا كاملا في “خدش الحياء العام”، فهل لو صور احدهم تلك الأعراس ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي ستتحرك الدولة وتضع يدها على ملف العرس وسيعقد البرلمان له جلسة للمناقشة ؟!!، سيكون الجواب هذا أمرا شخصيا وكذلك “جن” فهو ليس مطروحا للعامة في الأردن، فهو متاح في موقع مغلق يشاهده من يدفع مقابل ذلك بملء إرادته، والقضية مرة أخرى هي في الصراع بين حقوق وحريات الأفراد السياسية والفكرية ومنظومة المعتقدات الدينية والاجتماعية، إن هذا التسونامي الأردني يعيد طرح السؤال التالي: في الدولة الحديثة، أيهما أولى بالرعاية التدين أم القانون؟
إن مهمة الدولة تطبيق القانون بما كفل من حماية للأفراد وتمكين لهم من ممارسة حرياتهم وحقوقهم، وهي لا تنظر لأخلاق المواطنين ولا تحكم عليهم، ولكن تقوم بدورها بحياد مطلق، فهي تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها أيا كان دينهم واعتقادهم، ولهذا فإن خالف أي نشاط أو مؤتمر ديني أو دنيوي أو حتى مسلسل القانون، فإن تحرك الدولة يكون عبر إجراءات قضائية حيادية، وبحدود مخالفته للقانون، دون النظر لرأي الناس فيه.
وفي هذا السياق أيضا فإن الوثيقة التي نشرها حزب جبهة العمل الإسلامي، والتي يحاول الحزب ــــ مشكورا على هذه المبادرة الوطنية الغيورة ــــ تنظيم إجماع وطني عليها تعتبر مثالا حيا على عدم وضوح دور الدولة المعاصرة عندنا، فالوثيقة أقرب لرسالة دعوية وهي وثيقة تمثل مأزق الإخوان التاريخي في تشظيهم بين الدور الدعوي والدور السياسي في نشاطهم وعملهم الحزبي، فليس في الوثيقة ما هو مختلف عليه من تحقيق مبادئ العدل أو المساواة أو المنعة الاقتصادية، وفيها كلام عن حرية الرأي وقبول الآخر يعتبر مرجعاً في هذا السياق، ولكن الوثيقة تبدو حائرة في سبيل تحقيق ذلك بين دولة “الأمة”، ودولة القانون، وهي أيضا في سياستها “دعوية” وفي دعوتها سياسية.
وقد يغيب عن البعض أحيانا أن الدولة التي نحن شعبها ونتبع دستورها هي دولة ناجزة من حيث الهيكل القانوني والسياسي.
تمر الدول وشعوبها في مراحل التحول والإصلاح في موجات من الخلاف، وقد اخترع الإنسان المعاصر القانون طريقا حياديا سلميا لفض النزاعات بين الناس بعيدا عن الإرهاب الفكري والعقدي، وبه يحمي المتدين أيضا حقه في قول كلمته سلميا، الأردن يحتاج منا الالتزام بالقانون وأن تكون المعارضة البينية بين الناس وكذلك معارضة الحكومات سلمية تتخذ من القانون طريقا لها، وإلا خسرنا – لا سمح الله – القانون والتدين، فاهم علي جنابك؟!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock