أفكار ومواقف

عن انهيار المباني..!

علاء الدين أبو زينة

هذه تجربة شخصية، ربما تفيد في سياق الحديث عن انهيار المباني -والمسؤولية عنه.

لدينا شقة صغيرة، أرضية، في عمارة سكنية كبيرة مكونة من مبنيين متلاصقين، وبأكثر من 25 شقة. ظهرت في الشقة بعد بضع سنوات من البناء شقوق عرضية في الجدران وهبوط مطرد في الأرضية.

ولدى الاتصال بصاحب مشروع الإسكان، جلب عماله وأزال البلاط بعرض متر على طول الحوائط المتشققة، ووضع شبكة من حديد البناء.

لكن المشكلة عادت إلى الظهور بعد سنوات أخرى انتهت معها فترة العشر سنوات التي قيل لنا إنها مسؤولية صاحب الإسكان.

وباستشارة صديق يعمل بالبناء، اقترح إزالة كامل بلاط الأرضيات وتغيير شبكات الصرف الصحي تحتها ووضع شبكة حديد تحت الأرضية. وكلف ذلك مبلغاً ليس قليلاً. وهذا أيضا لم ينه المشكلة.

بعد بعض الوقت، ظهرت حفرة في الحديقة الصغيرة أمام البناء، حيث انزلق التراب وأصبح بالوسع رؤية أصل جدران البناية من الحفرة لدى النظر قطريا.

وظهرت تشققات في الحجر الخارجي بالإضافة إلى التشققات الداخلية، امتدت عموديا كل المسافة إلى واجهة الطابق الرابع.

ولتقدير جدية الموضوع، استشرنا أربعة أو خمسة مهندسين، تباينت تقديراتهم لمدى الخطورة. لكننا ذهبنا مع الذين قدروا الخطر أكثر من غيرهم.

اقترح المكتب الذي اخترناه إجراء فحص للتربة، وطلب تزويده بالمخطط الإنشائي للمبنى للتعرف على أماكن القواعد والأعمدة.

قال المكتب أن ذلك سيوفر عناء وتكلفة الحفر لاستكشاف الأساسات. وحاولنا طويلا استخراج هذه المخططات من بلدية الحي، ثم أمانة عمان، بعد أن لم نجدها في شركة الإسكان التي بيعت وتوفي صاحبها.

وبعد أخذ ورد و”راجعنا بعد أسبوع” لأسابيع، اعتذروا عن عدم وجود المخططات وقالوا: “ما لقيناها، شو نعمل؟ دبر حالك”.

جلبنا متخصصا في تحليل التربة، وعمالاً للحفر على الأساسات في محيط الشقة من الداخل، وكتب الخبير تقريبا مفصلا رسميا مشفوعا بالصور، ذكر فيه أن نصف الشقة مبني على “طمم” بارتفاع 15 متراً بلا دعم مناسب.

وبناء على التقرير، قرر المكتب الهندسي ضرورة حفر كل الأرضية وتهديم الجدران الداخلية، والحفر إلى عمق مقبول، وصب الإسمنت تحت الأعمدة والأساسات بواسطة شاحنات الإسمنت السائل، وبناء شبكة حديد كثيفة وسميكة ومتصلة بالقواعد وجسوراً تحت الجدران الداخلية، وبناء جدار استنادي غائص من جهة الحديقة، ثم إعادة التبليط وبناء الجدران وتركيب الأبواب والنوافذ والخزائن وكل شيء.

حملنا التقارير قبل بدء العمل إلى بلدية المنطقة وطلبنا المشورة. كان قد قيل لنا إن كل السكان يجب أن يساهموا في تحمل كلفة التدعيم بما أن الخطر يطال الجميع، وأننا لسنا أصحاب العمارة ولا بنيناها.

بذلك وستصبح الكلفة محتملة بالمشاركة. وأردنا، أيضاً، وجود إشراف حكومي على العملية حتى لا نقع في خطأ –لا قدّر الله- ونتحمل المسؤولية.

ومنذ البداية قال لي رئيس البلدية، الذي أوصلني إليه صديق، أن من الأفضل أن لا “أغلب” نفسي وأن أصلح الأمور لوحدي، “أريح للرأس”. ولدى الإصرار، كشف فريق من البلدية، وأكد صحة التقارير الهندسية السابقة.

أرسلونا إلى المتصرف للاتصال بالجيران وإعلامهم بالمشكلة والتشاور. والمتصرف حول الملف إلى المركز الأمني.

والمركز الأمني اتصل بنا وطلب هواتف الجيران، وزودناه بما تيسر منها لدى حارس العمارة. كان معظم أصحاب الشقق قد أجروها أو خارج البلد، ولا نعرف منهم أحداً شخصياً. وكان الافتراض أن التواصل عن طريق المتصرف سيكون أيسر.

ولم يستطع المركز الأمني الاتصال بأحد، كما قال الشخص الذي تواصلنا معه وبدا أنه لا يعرف ما يفعل. وعندما تواصلنا مع البعض عن طريق الحارس، أخذ الجيران يتهربون، على الأقل بقول: سأدفع إذا دفع الآخرون. وأين الآخرين. وبعد ما بدا الأمر ميؤوساً منه، قررنا تحمل الكلفة كلها.

كلفنا مهندساً مشرفاً متفرغاً ليتابع يوماً بيوم في الموقع سلامة التنفيذ وفق خطة المكتب الهندسي. ولم تتابع البلدية، ولا المتصرف، ولا المركز الأمني.

ولم يطلب أحد أن يشرف طرف رسمي على العملية، ولا سأل أحد عما ذهبت إليه الأمور. وباختصار، كان لدينا خيار تجاهل المسألة، ورتق الشقوق وبيع الشقة، وتجيير المشكلة للمالك الجديد. وسيبقى العشرات مع احتمال الخطر –مع معرفة جهات رسمية بالخطر والتصرف وكأنه شأن تافه.

غني عن البيان أن العملية تكلفت مبلغا. وكان الجيران كأنهم لا يعلمون –بل إن الجار الذي نشترك معه في حائط متشقق تضايق من طلب هدم الحائط ووضع جسر تحته.

واشترط أن نضع له حائطاً جبصياً مؤقتاً حتى يسمح لنا بتدعيم الحائط. وتأفف آخرون من صوت آلات الحفر والبناء.

والخلاصة؟ كلُّ “يزيح عن ظهره”، حتى الرسميون، في مسألة لا تقل عن حياة أو موت، وكأنهم غير معنيين!

المقال السابق للكاتب 

“السلطة” كنقيض للمقاومة في فلسطين..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock