أفكار ومواقف

عن جد؟

ما الهدف من أي تعديل وزاري لدى المواطن الأردني؟ بل ما الهدف من أي حكومة تشكل في غياب إرادة شعبية تأتي الحكومة من خلالها للحكم؟ خرجت تحليلات كثيرة قبل التعديل الوزاري تتحدث عن النية لإدخال شخصيات سياسية واقتصادية تساعد الرئيس على مواجهة التحديات القادمة من صفقة القرن ومن التحديات الاقتصادية الخانقة. وتحدث بعضها عن تعديل يساعد الرئيس في تعزيز الولاية العامة للحكومة، وعن انطلاقة جديدة بعد عام من التأني والتروي.
أما وقد حدث التعديل، فكيف نقرؤه؟ ما هي آلية التفكير التي بحثت ومحصت لتخرج بمثل هذا التعديل الذي يصعب قراءته أكثر من كونه يتعلق بالانسجام من عدمه مع بعض الوزراء؟ هل هناك أي اعتبار، وأكرر أي اعتبار، للرأي العام وماذا يتوقع ليس فقط من التعديل، بل من الحكومة بمجملها؟ أعرف أن علينا أن ننتظر طويلا قبل أن نتوقع أن تنعكس الارادة الشعبية في فكر وتوجه حكوماتنا، ولكن ريثما يتم بناء نظام سياسي نيابي حزبي جاد، هل من الطوباوية أن نتوقع ولو قدرا يسيرا من احترام الارادة الشعبية؟
لقد وضعت آمال كثيرة على هذه الحكومة بالذات للبدء بنهج جديد في ادارة الدولة الاردنية قوامه استعادة الولاية العامة، ولو بالتدريج، وتقديم خطة متكاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولو بالتدريج، وتجسير فجوة الثقة العميقة بين المواطن والدولة، ولو بالتدريج. أليست هذه هي التحديات الرئيسية التي تواجه الاردن؟ فكيف يتم التصدي لأي منها في مثل هذه التعديلات؟
ثلاثة تعديلات وزارية رفعت في كل مرة سقف التوقعات التي رافقت تشكيل الحكومة، لتهوي هذه التوقعات للقاع بعد كل تعديل، وليترك الجميع متسائلا: عن جد؟ هل المطبخ الذي ينتج مثل هذه التعديلات، إن كان هناك مطبخ، على صلة بما يجري في البلاد؟ أم أن ذلك لا يتم أخذه بعين الحسبان؟ أين الوازنون في هذه الحكومة ممن يعرفون ما يجري في الشارع ويدركون حجم هوة الثقة بين المواطن والدولة؟ هل هناك داخل الحكومة من يعتقد أن مثل هذه التعديلات تساهم في تجسير هذه الفجوة؟
تعجبت كثيرا وتألمت أكثر في السنة الاخيرة، كما تعجب وتألم العديد من الناس، وبقيت أعطي في قرارة نفسي الكثير من الأعذار للرئيس، تارة أقنع نفسي أنه قد يكون أرغم على هذا القرار او ذاك، وتارة أقول لنفسي أن درايته بالأشخاص قد تكون محدودة هنا وهناك. وكنت احيانا عديدة أعزي تأنيه في أخذ القرار لطبيعته الهادئة والمسالمة التي تنشد أعلى درجة من التوافق، وإقناع نفسي انه سيأخذ القرار الصحيح في النهاية.
لم يبق في داخلي عذر أعطيه للرئيس اليوم، وهو الصديق الذي أحب واحترم، وسأبقى احب واحترم، ولكن حبي لبلادي يرغمني ان أكتب دون مواربة اليوم. تحديات بلادي اليوم لم تبق مجالا للتردد والتروي والمجاملة والمساومات، ولا لتشكيلات حكومية غير مقنعة وغير قادرة على مواجهة هذه التحديات. لا أستطيع إلا أن أصل الى قناعة بأن هذه الحكومة لا تملك الحل، وأنها لن تخرق السقف المنخفض التي وضعته هي لنفسها منذ تشكيلها، فلم يعد مهما إن كانت غير قادرة او غير راغبة. أكتب ذلك بأسف كبير وبألم عميق.
سقف التوقعات لهذه الحكومة كان عاليا جدا، أما اليوم فقد بات واضحا أنها لا تختلف كثيرا عن سابقاتها. النية الحسنة والنظافة وحسن المعشر صفات محمودة، ولكن لتعذرني الحكومة إن قلت انها لا تكفي وحدها لولوج المرحلة القادمة بثبات وبفاعلية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock