أفكار ومواقفرأي في حياتنا

عن “زمن الطيّبين”

وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا في منتصف أيلول عام 1982؛ أي في نطاق ما يُسمّى إعلامياً بـ”الزمن الجميل”، وهذا الزمن ممتدّ من الماضي المبنيّ على “الفتح”، والماضي “الساكن” في كتب التاريخ للمرحلة الإعدادية، إلى الماضي المبنيّ على “الضمّ” و”الغزو” المتّصل بواو الجماعة من قتلة وطغاة وجنود ميمنة وميسرة. في “الزمن الجميل” أيضاً مات خمسمائة معتقل برشٍّ مُبيدٍ بالرصاص، وهذا رقم بائس أمام مجازر القصف الذرّي والكيماويّ، والمجاعات التي كانت تُصوّر فقط لاستفزاز مشاعر “الطيّبين”.
في “الزمن الجميل” كذلك وقعت انقلابات دمويّة أسماها المذيع في البيان الأول ثورات، كان يموت فيها أرقام مركّبة مع إضافة كسور، ويُسحل قادة “العصر البائد” في الشوارع أو يزجوا في السجون خمسة وعشرين عاماً أو قبل ذلك بسرطان أو شبهة انتحار. كان الأخ، “في زمن الطيّبين” يتجسّس على أخيه الشقيق وغير الشقيق، والاتكاء على الحيطان والفضفضة لها قد يقود إلى “المكتب الثاني”، وكانت الطرفة الرائجة أن المواطن، هنا أو هناك، لم يكن يجرؤ على فتح فمه سوى عند طبيب الأسنان.. إن لم يكن مخبراً!
وكان هناك، في “الزمن الجميل” أقصد، محاكم علنيّة وأخرى سريّة لضرورة “المحافظة على الآداب”، وصفحة حوادث يوميّة مكتظة بجرائم وصفها المحرّر الحسّاس بأنها تقشعر الأبدان على غرار “زوجة تغلي ابن ضرّتها”، وللمصداقية كان هناك متهمون تمت تغطية أعينهم بلاصق أسود. وكان هناك أيضاً في “زمن الطيبين” قتل على الهويّة، ولون البشرة، ولكنة الكلام، واغتصاب جماعيّ على قمة جبل المقطّم أوضحته السيّدة ليلى علوي في فيلمٍ للكبار فقط، وهذا يدحض ما كرّسته أفلام السبعينيات والثمانينيات بأنّ الشرّ كان مقتصراً على “عادل أدهم” و”توفيق الدقن”!
لم تُكتشف الخيانة الزوجية عام ألفين وأربعة (وهناك من يعتقد أن 2004 يعدّ زمناً جميلاً)، كذلك فإن معارك الحماة والكنّة سبقت بآلاف السنوات “حروب الواقع الافتراضي”. كان يسخر القوم من قوم، وكان هناك تنابز مؤلم بالألقاب، وفي “الزمن الجميل” أيضاً كان الودّ يفسد بسرعة فساد اللبن المكشوف، والنزق متوفر لدى السائقين قبل أو بعد الإشارة الضوئية، والذوق كان محدوداً ولم يكن متاحاً في الصيدليات. ومنذ زمن وزمان وأزمان، كان هناك دور للمسنين الذين طردهم الأبناء وزوجاتهم، وشقيق يعادي ابن أبيه أربعين عاماً بسبب امتداد روث البقر لما وراء “السنسلة”، وشقيقتان تخوضان خصاماً أبدياً على آنية التيفال غير المستردّة!
لم يكن لون الحياة ورديّاً كما زعمت السيّدة سعاد حسني في أغنية سينمائية خفيفة (يشاع إنها انتحرت بعد انقضاء الزمن الجميل). والسيّدة سعاد نفسها ذاقت مراً حتى وهي في أوج نجوميّتها في الستينيات والسبعينيات ربّما يكفي ملجأ أيتام، لكنّ كل إنسان، قديم أو حديث أو مضارع، يريد تفسيراً لكآبته، وتبريراً لعزلته، والجواب القريب والسريع أنّ الناس قد تغيّرت، والزمن قد اختلف، فهناك إذن ضرورة دائمة للحسرة: “سقى الله تلك الأيّام”، وفي تلك الأيّام كنتَ أنتَ واحداً من اثنين: إمّا قابيل أو هابيل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock