أفكار ومواقف

عن عقيدة أوباما

على غير عادة رؤساء الولايات المتحدة الأميركية السابقين، فاجأ الرئيس الأميركي باراك أوباما العالم أجمع، بمقابلة أو “دردشة” مع مجلة “اتلانتيك”، أجاب فيها عن الكثير من علامات السؤال، غير المجاب عليها سابقا، والتي كانت تبرز ضمن السياسة الأميركية الخارجية.
في المقابلة، قال أوباما الشيء القليل، ولكنه كشف عن نقاط حساسة ومهمة، تؤشر إلى ما يجري الآن في المنطقة، فضلا عن كشفه عن أمور ذات موضوع بما يجري في سورية وليبيا والعراق وغيرها، وأعطى رأيه في الكثير من زعماء العالم الذين التقاهم، إضافة إلى ما أشار اليه حول مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والصهاينة، ومسؤولية زعيم الكيان الغاصب بنيامين نيتنياهو عن تخريب المفاوضات.
الأبرز فيما قاله اوباما كان حرص إدارته الدائم والواضح لدينا على أمن إسرائيل، بعد الحرص على المصالح الأميركية الكبرى في العالم، فأمن إسرائيل بالنسبة للأميركيين يساوي أمن كل دول العرب، ويأتي في المرتبة الثانية بعد أمن أميركا، ولا يعني نقد نتنياهو من قبل أوباما، أن أميركا تسمح بزعزعة أمن الكيان الغاصب، ولكنها بالمقابل تسمح بتقسيم دول العرب وأحيانا الدول الحليفة للأميركيين.
الأهم فيما عرف لاحقا بـ”عقيدة أوباما” أن مصالح أميركا في العالم، ومن ثم مصالح إسرائيل، هي رأس الحربة، وما تبقى من مصالح لهذا الطرف أو ذاك، تبقى النظرة إليها باعتبارها مجرد لعبة سياسية، يمكن أن تبرز حينا وتختفي حينا، حسب مصالح أميركا وإسرائيل، من دون التفكير بالآخرين ورغباتهم.
ما جاء في الدردشة أو المقابلة المطولة، يكشف مدى انجراف النظام العربي الرسمي خلف الإدارة الأميركية، للدفاع عنه بالوكالة، وخوض حروب نيابة عنه، والأبرز الذي يمكن الوصول إليه من خلال قراءة كلام أوباما هو إعادة نظر الإدارة الأميركية في طريقة تعاطيها مع قضايا المنطقة، ونية الأميركيين إعادة التموضع، وخاصة بعد أن استوفت أميركا مبررات وجودها في المنطقة، وذلك بعد ان أمنت تدفقا للنفط والغاز، فبات عليها الذهاب إلى مناطق أخرى أكثر أهمية اقتصاديا وجغرافيا ولوجستيا.
الإدارة الأميركية باتت تعي أن  استمرار تدفق النفط، الذي شارف عن الانتهاء في المنطقة، يعني أيضا استمرار تدفق الإرهاب والفكر التكفيري إلى أوروبا، وربما لاحقا إلى الولايات المتحدة الأميركية، كما باتت تعي أن التصعيد المذهبي الذي حمّل اوباما مسؤوليته لبعض حلفائه من العرب، وحمّلهم وزر تأجيج الصراع الطائفي والمذهبي والعقائدي، أنه من المستحيل تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة، وغالبها مصالح اقتصادية، من دون استقرار جغرافي، وليس تأجيجا طائفيا.
المشكلة الكبرى أن البعض ممن لم يعجبهم ما جاء في المقابلة، وبدل الدخول في تقييمها، والغوص في كلام الرئيس، ذهبوا للتمحيص في هوية وخلفية الصحفي، الذي أجرى المقابلة (جيفري غولدبيرغ)، وارتباطه باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فأولئك تركوا كل ما جاء في المقابلة، وذهبوا للهجوم على الصحفي، من دون قراءة ما قاله أوباما، والتدقيق في رؤية أميركا في المنطقة، ورغبتها الدائمة بأن يكون العرب حاضرين دوما لتنفيذ الرغبة الأميركية، من دون أن يكون لهم حق الكلام أصلا.
حقيقة الأمر، أن أوباما لم يفاجئ المراقبين والمتابعين للسياسة الأميركية في المنطقة، وخاصة أولئك الذين كانوا وما يزالون يرون في أميركا طرفا منحازا ضد كل القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية وقضايا أخرى تتعلق بالتبعية للإدارة الأميركية، وجشع تلك الإدارة في السيطرة على موارد العرب وثرواتهم الاقتصادية، ولكن كلام أوباما بالتأكيد كان مفاجئا، وربما محرجا لبعض الحلفاء التقليديين للإدارة الأميركية، من العرب، الذين لم يرغبوا في أن يتم الكشف عن كل ما تم الكشف عنه في المقابلة، وترك الأمور مواربة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock