ترجمات

عن وهم الحرب على الإرهاب

ألان غريش* – (أوريان 21) 9/9/2021

خلال الأعوام العشرين الأخيرة، خسر الغرب كذلك معركة الشرعية والحق. من منفى غوانتنامو إلى سجن أبو غريب؛ ومن التدخل غير القانوني في العراق إلى الانتخابات المزورة في أفغانستان؛ من مساندة الديكتاتوريات التابعة إلى ازدراء حقوق الفلسطينيين، بات الواقع الملموس يشوّه نقاء تلك المبادئ المعلنة، سواء في ما يتعلق بقانون دولي، أو حق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع عن حقوق الإنسان.
* * *
“حريّة دائمة”! تحت هذا الشعار الرنّان والسخيف في آن واحد، أطلق الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، في تشرين الأول (أكتوبر) 2001 حربه “على الإرهاب” باجتياح أفغانستان. وكان قد فسّر هذا الخيار أمام الكونغرس الأميركي حين قال:
“إنهم يكرهون ما يرونه في هذا المجلس، هذه الحكومة المنتخبة ديمقراطيا. إن حكامهم يختارون أنفسهم. إنهم يكرهون حرياتنا، حريتنا الدينية، حريتنا في التعبير، حريتنا في الانتخاب والتجمع، حريّتنا في الاختلاف مع بعضنا بعضا”.
ويعود ضمير الغائب “هم” على “الإرهابيين” الذين وعد الرئيس الأميركي بمطاردتهم حتى إلى أحلك مناطق هذا الكوكب. واعترف بوش بأن هذه الحرب ستكون طويلة، وسيكون مسرحها العالم بأسره، لكن الخير سينتصر قريبا، وسيُقضى على الشر، سوف تنوّر الحريّة -بلمسة أميركية- شعوبا مفتونة وسعيدة.
ولم يكن للذين نصّبوا أنفسهم “مجتمعا دوليا” -تلك العبارة التي تشير في الحقيقة إلى الحكومات الغربية- من خيار سوى تزكية هذا المعجم العسكري. واستخدم عدد من السياسيين وكتاب الرأي والذين نصّبوا أنفسهم “خبراء” في الإرهاب والمفكرين، مشاعر الصدمة التي تسببت بها هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لتعبئة الرأي العام ضد عدو جديد -الإرهاب- الذي كثيرً ما يتم خلطه بالإسلاموية، أو حتى بالمسلمين.
دفعت “الانتصارات” الأولى التي تم إحرازها في كابول إلى التفاؤل، إن لم نقل العمى. وكتب برنار هنري ليفي، الذي لا يفوّت فرصة لإساءة التقدير إلا واستغلها، في كانون الأول (ديسمبر): “لقد انتصر الأميركيون في هذه الحرب التي خلفت في المجمل بضع مئات أو ربما ألف ضحية من المدنيين. من يستطيع أن يفعل أفضل من هذا؟ كم حرباً تحريرية في الماضي كانت محدودة الضحايا مثل هذه؟”.
استبدال 14 تموز (يوليو) بـ11 أيلول (سبتمبر)
وهناك آخرون غير ليفي ممن تغنوا بـ”المقاومة” الضرورية، كتلك التي وقفت في وجه النازية. وصرح الكاتب فيليب سولرس بنشوة خلال مقابلة صحفية:
“نعم نعم، أعرف أنه ما يزال هناك الكثير من العمل للقيام به هناك، سواء كان ذلك في كابول أو في
رام الله أو في بغداد. (…) ولكن في نهاية المطاف، سيتم القضاء على الشر، وهذا أمر بديهي. لقد تأخرنا كثيرا في نظري. لم كل هذا التلكؤ؟ هذا التباطؤ؟ هذه التساؤلات المترددة؟ إن هذه المناورات الأممية التي لا تخدع أحدا؟ يجب أن نضرب، وأن نواصل الضرب. ما حصل في 11 سبتمبر يقضي بذلك. هذا التاريخ هو الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في عصرنا هذا. انتهى 14 يوليو، وهذا عصر 11 سبتمبر. لنأمل بأن الفرنسيين -الذين لطالما تأخروا في وعيهم التاريخي- سيقتنعون بذلك وينضمون إلى هذه الديانة الجديدة”.
هذه “الديانة الجديدة” هي “الحرب على الإرهاب”. ولكن عن ماذا كان هذا الحديث تحديدا؟ وفق الجنرال البروسي (الألماني)، كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831)، فإن “الحرب هي امتداد للسياسة بطرق أخرى”. وأكّد أن “السؤال الأول والأوسع استراتيجيا هو التقييم الصحيح لنوع الحرب التي سنخوضها”، وتحديد الأهداف التي ستقود إلى الانتصار. بيد أن القضاء على “الإرهاب” -وهو شكل من أشكال العنف شهدته الإنسانية على مدى تاريخها بمظاهر مختلفة، واستعمله عدد من الفاعلين ذوي القناعات المتناقضة- لا يعني شيئاً. وحتى الحروب الصليبية التي تم شنها ضد الإسلام كانت تحمل هدفا واضحا، هو “تحرير قبر المسيح”، وليس هداية العالم بأسره.
تظهر هذه الضبابية في المفاهيم والرؤى عندما ننظر إلى قاعدة بيانات الإرهاب العامة Global Terrorism Database التابعة لجامعة ميريلاند. وتوثّق هذه البيانات جميع “الهجمات الإرهابية” التي حصلت في العالم، وتعطي معلومات مهمة حول أهم الأماكن التي تعاني من عدم الاستقرار -حتى وإن لم يكن مفاجئا أن تكون هذه الأماكن هي اليمن وأفغانستان والعراق. لكننا نجد في هذا التقرير هجمات مثل تلك التي يقوم بها المتعصبون البيض في الولايات المتحدة الأميركية، أو هجوما انتحاريا يشنه “داعش” في أفغانستان، ناهيك عن أعمال ما بقي من المجموعات المسلحة في كولومبيا، أو هجوم معاد للسامية في أوروبا. وكلها تجتمع تحت مسمى واحد وفي خليط مبهم.
أسهم هذا الخلط الذي ينتج عن تعدد الأعداء وضبابية الأهداف، في الفشل المتكرر للـ”حرب على الإرهاب”، على الرغم من أنه صبّ في مصلحة المجمع الصناعي العسكري الأميركي الذي كان قد ندّد به قديما الرئيس دوايت أيزنهاور. وكما ورد في كتاب “حرب العشرين عاماً” الصادر في العام 2021 للكاتبين مارك هيكر وإيلي تننبوم، فإن:
“التعريف الواسع للخطر الإرهابي الذي تبنته إدارة بوش -والذي يشمل تنظيم القاعدة- لكنه يشمل كذلك عددا كبيرا من المجموعات المسلحة ومن ‘الدول المارقة’، من حزب الله إلى كوريا الشمالية -كان سيؤدي حتما إلى ما يمكن اعتباره اليوم أحد الأخطاء الجسيمة لهذه الأعوام الأولى”.
ولكن، إلى ماذا يرمز هذا “الخطأ”؟ إنه يرمز، أولاً وقبل كل شيء، إلى غطرسة عالم غربي رقم هاتفه هو رقم هاتف البيت الأبيض -حسب العبارة الجميلة للفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري. فذلك هو المكان الوحيد الذي تُتخذ فيه “القرارات الغربية”. صحيح أن فرنسا عبّرت عن اعتراضها على اجتياح العراق في العام 2003، لكن هذا الموقف سرعان ما تم التراجع عنه لتصطف باريس في نفس المعسكر. وقد أعلن الرئيس الفرنسي المُنتخب آنذاك، نيكولا ساركوزي، أمام الكونغرس الأميركي في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007:
“سوف تبقى فرنسا في أفغانستان طالما تطلب الأمر ذلك، لأن القضية في هذا البلد هي قضية مستقبل قيمنا ومستقبل حلف الأطلسي. وها أنا أعلن رسميا أمامكم: لا مجال للفشل”.
الغرب “زارع الفتن الذي يظن نفسه غيثا نافعا”
أما خلفه الاشتراكي، فرانسوا هولاند، فقد وسّع مجال الحرب إلى مالي ومنطقة الساحل الإفريقي، إحياء لتقليد المغامرات الاستعمارية للاشتراكية الفرنسية، وباء ذلك بالفشل نفسه. فالعالم بأسره -وليس الإرهابيون أو الإسلامويون فقط أو غيرهم من العفاريت المخيفة- يعارض هذا الغرب الذي يصفه ريجيس دوبري بأنه:
“أبوي وأناني، نصّب نفسه قائدا لسفينة الإنسانية، وكلّف نفسه بتصحيح المسار. إنه الأب الجلاّد صاحب العقاب، العالم الأول الذي لا يتحاور مع الثالث -ولا الرابع- بل يناجي نفسه ويذلّ جميع من لا يتكلم لغته. إنه زارع الفتن الذي يخال نفسه غيثاً نافعا، والذي يضرب عرض الحائط بتلك القيم التي يظل يتشدق بها، إذا كان ذلك في مصلحته”.
خلال الأعوام العشرين الأخيرة، خسر الغرب كذلك معركة الشرعية والحق. من منفى غوانتنامو إلى سجن أبو غريب؛ ومن التدخل غير القانوني في العراق إلى الانتخابات المزورة في أفغانستان؛ من مساندة الديكتاتوريات التابعة إلى ازدراء حقوق الفلسطينيين، بات الواقع الملموس يشوّه نقاء تلك المبادئ المعلنة، سواء في ما يتعلق بقانون دولي، أو حق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع عن حقوق الإنسان.
إن الهزيمة الأميركية النكراء في أفغانستان -وهي كذلك هزيمة لعدد من البلدان الأوروبية، حتى وإن لم تكن من أصحاب القرار كما رأينا ذلك خلال عمليات إجلاء كابول- تعني فشلا ذريعا آخر يُضاف إلى المحاولات الغربية العديدة لإعادة الهيمنة على العالم، في إنكار تام لجميع الاضطرابات التي شهدها العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما انهيار المنظومة الاستعمارية. وقد تغير الوقت، وولّت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى حينما كانت لندن وباريس تقرّران كيف ستقسمان الشرق الأوسط وكيف ستفرضان هيمنتهما على شعوب رافضة، من دون تساؤلات ومن دون أن تواجها مقاومة لا يمكن التغلب عنها. إن رفض الهيمنة الأجنبية أصبح القاعدة، حتى وإن تزيّنت هذه الهيمنة بخطابات “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”.
وفي المقابل، نرى بروز قوى أخرى، كما يظهر ذلك في المشهد الأفغاني. وتسهم باكستان والصين وروسيا وقطر وتركيا والهند في تقرير مستقبل ذلك البلد، مثلها مثل الولايات المتحدة، وأكثر مما يفعل الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن الولايات المتحدة ستبقى لعقود أخرى قوة أساسية، لكنها لم تعد اليوم تملك الوسائل الكافية لتسيير العالم، ناهيك عن تقرير مصير بلدان مثل أفغانستان والعراق، حتى وإن كانت قادرة -كما رأينا- على تدميرها.
إن الحرب على الإرهاب هي آخر وهم لهذا الغرب الذي يرفض القبول بوضع العالم الجديد ويرغب في تحويل مجرى التاريخ. إنها مهمة خيالية، بطبيعة الحال، لكن السعي إلى تحقيقها لن يؤدي إلا إلى تفاقم الفوضى العالمية، وإلى تغذية فكرة “صراع الحضارات” وزعزعة استقرار عدد من المجتمعات، بما فيها الغربية، من خلال تقسيمها وفق معايير دينية.

*الكاتب مدير مجلة “أوريان 21″، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، له مؤلفات عديدة منها “علام يدل اسم فلسطين؟”(2010)؛ و”أغنية حب، فلسطين وإسرائيل، قصة من تاريخ فرنسا” بالاشتراك مع هيلين آلدغير، (2017).

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock