فكر وأديان

عواقب مؤلمة

د. محمد المجالي

ثمة أمور خطيرة لا ينتبه إليها بعض المشرعين والسياسيين في حياتهم ومهماتهم، وهي نتيجة طبيعية لقصور الإنسان من جهة، ولعدم النظرة الشمولية للأشياء من زواياها المختلفة من جهة أخرى، وذلك حين نبدي رأيا ما في مسألة تهم الأمة، أو نسارع إلى ما ظاهره مصلحة وفي حقيقتها ومآلها هي مفسدة، خصوصا حين نقدم المصالح على المبادئ، أو حين تكون آراؤنا أقرب إلى ردّات الأفعال منها من التخطيط الواعي السليم الشمولي.
إن الحالة الاقتصادية التي تمر بها المنطقة والعالم عموما، وبلدنا خصوصا، لها آثار عميقة مؤلمة قد لا تبدو واضحة للمشرِّع أو السياسي، ويدرك الجميع بَعدها آثارها المخيفة المقلقة، كل في ميدانه، وإن علموا تلك الآثار فحينها قد يقال إنه لا بد من خسائر وآلام في الطريق، مع أن منطق الأشياء يقول إن المخرجات تابعة للمدخلات.
لا أريد الإطالة في التنظير، إنما أتحدث عن حقائق مؤلمة هي في الغالب اجتماعية تهدد كيان الأسرة والمجتمع، وذلك حين تنتشر الفواحش والرذيلة وتصبح مكسبا للعيش نتيجة للمشكلة الاقتصادية، وهذا أمر زائد على المشكلة الأمنية حيث الجريمة بأنواعها التي تهدد استقرار المجتمع، فلا أحد ينكر ازدياد جرائم السرقة على وجه التحديد، مع ما يرافقها من رشوة واحتيال وتهريب وبيع للممنوعات وغش، ولجوء كثيرين إلى الاقتراض الربوي ولو عن طريق جمعيات أودت بالمتعاملين معها إلى السجن للعجز عن تسديد الالتزامات، خاصة السيدات، وبالتالي خراب المجتمع ودمار الأسر العفيفة، لتتحول إلى البحث عن مصادر للدخل بأي شكل ولو كان حراما.
أعلم أن ما أكتبه يزعج كثيرين، ولا يحب كثيرون سماع الحقيقة والاطلاع عليها، ولعل أكثر جهتين عندهما التفاصيل هي المؤسسات الأمنية والقضاء، إذ تحكي الأرقام حجم الفساد الأخلاقي الذي نتج عنه تفكك الأسر، والفعل الحرام، والطلاق، وربما القتل بداعي الشرف، وغير ذلك مما هو معروف، والمستور أعظم من ذلك بكثير.
ليس الفقر عيبا، ولكن الجوع مؤلم، وليس الناس جميعا على مستوى من الالتزام والصبر والانضباط، لا أشرِّع الجريمة ولكن لا بد من الاعتراف بالحقيقة والواقع المؤلم، يموت رب الأسرة، ولا معيل، ولا روابط اجتماعية سليمة تخفف المعاناة، حينها قد تفكر البنت بالأسلوب المحرم لجلب المال. وقد يكون الزوج عاملا، ولا يكفي راتبه لمصاريف بيته ولا لتعليم أولاده، فتلجأ الزوجة مجتهدة في أن تخون زوجها وترتبط بعلاقات محرمة لتأمين مصاريف بيتها، وتذهب البنت إلى جامعتها في أدنى وضع مادي لتأمين متطلبات حاجاتها التعليمية والحياتية كما زميلاتها الأخريات، فتضطر إلى الحرام لتأمين تلك الحاجات، وغير ذلك كثير مما يوقع الشباب من الجنسين في الرذيلة والمحرمات والإدمان، وقليل من الناس من ينتبه إلى ذلك ويعيره اهتماما.
ما ذكرته أمثلة حقيقية أعلمها من مصادرها، وما لا نعلمه أكثر، قد لا تكون بالضرورة ظاهرة شائعة، ولكن مجرد الشرارة قد تحرق البيت كله، ومجرد ثقب في السفينة ولو كان صغيرا فإنه مع مرور الزمن سيغرقها، من هنا كان التكامل والشمول في المنهج الإسلامي، ابتداء بالعقيدة السليمة التي تربي الإنسان على تعظيم الله والخضوع له ومراقبته وتذكر عاقبة الأمور، وأن هذه دنيا زائلة وهناك دار باقية خالدة، ومرورا بمنظومة العبادات التي تسهم في بناء الإيمان وتزكي النفس وتسمو بها وتصقل الشخصية بالصبغة السلوكية الصالحة، ومرورا بمنظومة الأخلاق التي تتيح فرصة التعامل الحسن مع غيرنا من البشر، بل مع البيئة والحيوان، وأخيرا منظومة المعاملات بأنواعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والعقوبات الرادعة لحفظ أمن المجتمع.
هي همسة في أذن السياسي والمشرع، حين تقنن وتوجه في الاتجاه الخاطئ القاصر، فاعلم أن آثارا سلبية كثيرة لن تحيط بمقترف الفعل الخطأ فقط، بل تجرف الجميع وتهدد كيان الوطن كله، وقد شبه نبينا صلى الله عليه وسلم المجتمعَ بالسفينة، والذنبَ بالخرق فيها، فلا يجوز لأحد ولو باسم الحرية أن يخرق هذا الخرق لأن الجميع سيغرق، وإن توفير الحياة الكريمة للناس مسؤولية الدولة، وفق منهج العدل والنزاهة واحترام النفس الإنسانية التي كرمها الله: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.
النظرة الشمولية تتطلب متخصصين خبراء وقرارات مدروسة واستصحابا لتجارب سابقة، والعاقل من يبني على جهد من قبلَه، ويفيد من تجارب الآخرين، ولا يبتغي تسجيل مواقف ولا الاستئثار برأي، فالتفكير الجمعي أفضل من الفردي، وما خاب من استشار.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock