ترجمات

“عودة إلى الظلام”: أفغانيات يتحدثن من أراضي طالبان

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سكوت بيترسون* – (كريستيان سينس مونيتور) 15/7/2021

تقول الطالبة الأفغانية إنها لن تنسى أبدًا أحد الأعمال الأولى التي قام بها متشددو طالبان بعد الاستيلاء على منطقتها قبل أسابيع، وسط تقدم عسكري للحركة تسارع بشكل كبير مع مغادرة القوات الأميركية لأفغانستان.
في وقت متأخر من الليل، استيقظت خالدة على صوت انفجار يصم الآذان. ومن سطح منزلها، رأت الفتاة البالغة من العمر 18 عامًا ألسنة اللهب وهي تتصاعد من مدرستها الثانوية للبنات -التي كانت مصدر فخرها وسعادتها، والمزودة بمكتبة جديدة مليئة بالكتب التي جمعتها بشق الأنفس المعلمات اللواتي سافرن من أجل جمعهما.
“بكيت كثيرا. حاول القرويون إخماد النيران، لكن طالبان أطلقوا النار عليهم ولم ينقذ أحد مدرستنا”، تقول خالدة، متذكّرة حدثًا أصبح سمة معتادة لغزوات المسلحين الإسلاميين، بينما انهارت قوات الأمن الأفغانية في مقاطعة تلو الأخرى.
“في الصباح، عندما ذهبت إلى المدرسة، وجدتُ كل شيء قد أُحرِق ودُمر، حتى بوابات المدرسة”، تقول عن المدرسة التي بنتها النرويج والولايات المتحدة في مقاطعة فارياب الشمالية الغربية:
وتضيف الطالبة التي أعطتنا اسمها الأول فقط وكانت تخطط لأن تصبح طبيبة: “عندما رأيتُ طالبان عن قرب، كنت خائفة للغاية. إنهم أناس متوحشون ولا يحترمون النساء أبداً. لا أحد سعيد بطالبان؛ الجميع سئم منهم. … ولكن لا أحد مستعد لمواجهة طالبان. إنهم سيقتلونك. إنهم قساة جداً”.
وكان كبار قادة طالبان السياسيين -الذين تفاوضوا مباشرة على صفقة انسحاب مع الولايات المتحدة في العامين 2019 و2020، ثم انضموا إلى محادثات السلام بين الأفغان في أيلول (سبتمبر) الماضي- قد أعلنوا عن تطور براغماتي ومعتدل يختلف عن تفكيرهم في أواخر التسعينيات، عندما اتسمت نسختهم من الحكم الإسلامي بالعنف والتطبيق الصارم للحظر على تعليم الفتيات، وعمل النساء خارج المنزل، وحتى على حلق الرجال لحاهم.
ومع ذلك، فإن سكان المناطق التي وقعت تحت سيطرة طالبان يبلغون اليوم عن مؤشرات قليلة على التغيير أو الإصلاح أو تكيف الجهاديين مع مجتمع أعاد تشكيله 20 عامًا من الوجود الغربي وإنفاق عشرات المليارات على إعادة البناء. وكانت هذه الاستثمارات قد رفعت توقعات العديد من الأفغان بقدوم مستقبل أكثر حرية.
بدلاً من ذلك، يؤكد هؤلاء السكان أن طالبان “القديمة” -التي تحتفظ في كل جزء منها بالوحشية والتشدد والرغبة نفسها في الانتقام التي كانت عليها قبل عقدين- هي التي انتزعت السيطرة مرة أخرى، وتَعرض من خلال أعمالها القمعية لمحة عن نوعية المستقبل المتوقع تحت نفوذها المحافظ.
تصاعد زحف طالبان عبر أفغانستان على جبهات متعددة منذ أن تعهد الرئيس جو بايدن في نيسان (أبريل) بسحب القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي من البلاد من دون قيد أو شرط، ما ينهي أطول حرب أميركية على الإطلاق. وبحلول يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، كانت طالبان قد سيطرت بالكامل على 223 مقاطعة من مقاطعات أفغانستان البالغ عددها 400 تقريبًا، أي ثلاثة أضعاف العدد الذي تسيطر عليه قوات الأمن الأفغانية، وفقًا لـ”مجلة الحرب الطويلة”.
تقول ناشطة في مجال حقوق المرأة في مقاطعة فارياب، التي طلبت عدم ذكر اسمها حفاظًا على سلامتها: “إننا نشكر حكومة الولايات المتحدة على تغيير حياتنا ومنحنا الأمل بعد أيام طالبان المظلمة؛ في الأعوام العشرين الماضية فقط أدركنا أننا بشر وأن لنا الحق في الحياة”.
وتضيف الناشطة، التي سقطت مقاطعتها، شيرين تاجاب، في أيدي طالبان قبل شهر: “لسوء الحظ، الوضع الحالي في البلد يقول إننا سنعود إلى التسعينيات. وهذا يعني أننا نعود إلى الظلام”.
وتقول: “جميع الأفغان، وخاصة النساء، يعانون الاختناق بسبب الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الأميركية. كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تهزم هذه الظاهرة المشؤومة على الأرض، أو أن تجبرها على صنع السلام. لكنهم قدموا طالبان كقوة للعالم (من خلال المفاوضات المباشرة)، ولم يدركوا أن طالبان هم طالبان المتوحشون، الذين لا يعرفون شيئًا سوى الإرهاب”.
وكانت الناشطة قد شاهدت العلامات على عدم تسامح طالبان في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بينما كانت تستعد للاحتفال بيوم المعلم العالمي في مدرسة محلية للبنات. وقد تم جمع النقود من أجل إقامة حفلة، لكن وجود مختبر جديد للحاسوب في المدرسة دفع “المتطرفين” المحليين إلى إطلاق إشاعة عن عرض أفلام غير أخلاقية في المدرسة، وأن “أيام الخيانة والزندقة” هي التي سيتم الاحتفال بها، على حد قولها.
وفي الليلة التي سبقت الحدث، تسلل مقاتلو طالبان وتجاوزوا الحراس وأحرقوا المدرسة.
وتقول الناشطة: “كتبنا رسالة إلى طالبان وطلبنا منهم أن نعمل معًا من أجل بناء أفغانستان مسالمة، وتوفير التعليم من أجل المستقبل… تعليم جيل الشباب درس الثقة بالنفس والقبول المتبادل والوحدة الوطنية. لكن طالبان هددت بقتلي وقتل أبي رداً على ذلك”.
في تموز (يوليو)، انسحبت القوات الأميركية من قاعدتها الأخيرة في باغرام في جوف الليل، قبل أكثر من شهرين من الموعد النهائي الذي حدده الرئيس بايدن لإتمام الانسحاب.
وقال الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأميركية، الأسبوع الماضي، مع تعثر محادثات السلام، إن الدلائل من ساحة المعركة تشير إلى أن طالبان تسعى الآن إلى تحقيق “نصر عسكري”، وإن “عواصم المقاطعات في خطر”.
وقال تيمور شاران، وهو نائب وزير سابق في الحكومة الأفغانية: “لا أعتقد أن قيادة طالبان السياسية كانت تتوقع نوع المكاسب التي حققتها الحركة على مدى الشهر ونصف الشهر الأخيرين، وهو ما يثير في حد ذاته أسئلة عن الفوارق بينهم وبين قادة الجيش”.
ويضيف السيد شاران، مدير “مختبر سياسة أفغانستان”: “إذا احتلوا المزيد من الأرض، وأصبحنا نرى بشكل متزايد القادة (المحليين) وهم يعودون إلى الطريقة التي عرفوها -تقييد النساء، وإغلاق مدارس الفتيات، وقاعات الأفراح، وما إلى ذلك- أعتقد أن هناك فجوة كبيرة ستكون موجودة هنا، داخل طالبان نفسها”. ويقول: “أخشى أن تفقد القيادة السياسية لطالبان سيطرتها على الأحداث على الأرض”.
توق إلى الحريات
يمكن أن يؤثر ذلك بمدى سهولة قيام طالبان بفرض إرادتها على السكان الذين يرفضون إلى حد كبير تفسيرها المتشدد للإسلام. وقالت “شبكة محللي أفغانستان” إن الأبحاث التي نشرتها في تموز (يوليو)، على سبيل المثال، “تحدت فكرة أن النساء في المناطق الريفية راضيات عما تصوره حركة طالبان أو المحافظون الأفغان الآخرون على أنه ‘طبيعي’”.
وقال مركز الأبحاث ومقره كابول: “كل امرأة تحدثنا إليها تقريبًا، بغض النظر عن موقفها السياسي ومهما كانت محافِظة… أعربت عن رغبتها في مزيد من حرية الحركة والتعليم لبناتهن (وأحيانًا لأنفسهن)”.
ومع ذلك، منذ أيام سيطرتها الأولى في كل مقاطعة استولت عليها، أصدرت طالبان تعليمات للأفغان -غالبًا باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، والتعليمات المطبوعة، ومكبرات الصوت في الأسواق- بأنه يجب على النساء ارتداء البرقع الذي يغطيهن بالكامل، وأن يرافقهن دائمًا وصي ذكر.
ويصر بعض عناصر طالبان على أن يدفع الناس مبالغ مالية أو طعام، أو أن تقدم كل قرية 20 مقاتلاً للقتال من أجل قضيتهم. وأمر آخرون الأهالي بمنح الفتيات فوق عمر 15 سنة كزوجات. وما يزال البعض الآخر يحظر مشاهدة التلفاز أو استخدام الهواتف المحمولة.
وفي الأسبوع قبل الماضي وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عمليات تشريد قسري جماعية وحرق منازل نفذها مقاتلو طالبان في ولاية قندوز الشمالية. وفي كل مكان، يشهد تعليم الفتيات وحقوق المرأة تراجعاً.
وقال سعيد حسن الهاشمي، ناشط المجتمع المدني في فارياب الذي شهد آثار إحراق طالبان خمس مدارس: “إنهم يقولون للناس إن كل قيودهم وقوانينهم متوافقة مع الإسلام. وإن كل من ينتهكها هو كافر وإن قتله مباح”.
ويضيف السيد الهاشمي، الذي تخضع منطقته الآن لسيطرة طالبان “تفترق تصرفات طالبان عن خطاب (قادتهم) كما تفترق الأرض عن السماء. يعيش قادة طالبان في قطر في منازل فاخرة، ويتمتعون هم وعائلاتهم بالحياة، لكنهم لا يعرفون عن المظالم التي يوقعها مقاتلوهم بالسكان المحليين”.
“أولاً نغلق المدارس”
في بيان رسمي لطالبان صرح به في 12 تموز (يوليو) المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، وصف التقارير عن الانتهاكات التي تقوم بها الحركة بأنها “افتراءات معادية”، وقال إن التصريحات المنسوبة إلى طالبان من أنها “تفرض قيودًا على السكان المحليين، وتهددهم، وتحدد قوانين متعلقة بالنوع الاجتماعي وتنظيم الحياة واللحية والتحركات، بل إنها تحتوي على ادعاءات لا أساس لها من الصحة بشأن زواج البنات”، كلها غير حقيقية وعارية عن الصحة.
ومع ذلك، فإن طالبان على الأرض لا تخجل من الإعلان عن أهدافها. في الأسبوع الماضي، قال قائد في طالبان يُدعى الملا مجيد لقناة “فرانس 24” بالقرب من مدينة هيرات الشمالية الغربية: “عندما نأخذ قرية، ننام في المسجد، ولا نضايق الناس في منازلهم”.
وأضاف: “لكن أول شيء نقوم به هو إغلاق المدارس التي تديرها الحكومة. إننا ندمرها وننشئ مدارسنا الدينية الخاصة، التي تتبع مناهجنا الخاصة، من أجل تدريب أعضاء طالبان في المستقبل”.
وهذا هو مصدر قلق أحد المعلمين في محافظة مزار شريف الشمالية، الذي سقطت منطقته مؤخرًا في يد طالبان، وطلب عدم ذكر اسمه.
يقول المعلم، الذي عايش حكم طالبان في التسعينيات: “في البداية، عندما شاهدنا مقابلات طالبان على شاشة التلفاز، كنا نأمل في السلام، كما لو أن طالبان قد تغيرت. ولكن، عندما رأيت طالبان عن قرب، رأيت أنها لم تتغير على الإطلاق”.
وتقول معلمة البنات إن القواعد الجديدة “غير مقبولة، لأن النساء اعتدن عيش حياة حرة على مدى 20 عامًا، ولذلك من الصعب جدًا عليهن العيش في ظل القيود”.
وتضيف: “عندما أرى طالبان، أشعر بأنني أرى عدو ديني وثقافتي وتقاليدي. إذا استسلمنا لطالبان، فإن المستقبل… سيكون مظلمًا أيضًا. ولذلك، فإن رسالتي إلى الجيل الجديد بالكامل هي القتال حتى اللحظة الأخيرة”.

*Scott Peterson: رئيس مكتب المونتيور في الشرق الأوسط. يغطي أخبار المنطقة من لندن، مع التركيز بشكل خاص على إيران والعراق وسورية. وهو مراسل أجنبي تجول في الكثير من الأماكن وكسب الكثير من الخبرة، وهو أيضًا مصور لـ”غيتي إيميجيز” في نيويورك. كتب تقاريره عن النزاعات والروايات البشرية القوية وقام بتصويرها عبر ثلاث قارات لأكثر من عقدين.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: ‘Back to the darkness’: Afghan women speak from Taliban territory

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock