أفكار ومواقف

عودة إلى “النموذج الصيني” العربي

توصف “إرلانغن” الألمانية، ولو من باب المبالغة، بأنها مدينة الجامعة (جامعة فريدريش-ألكساندر) وشركة “سيمنز” (أو “زيمنز”، كما يلفظها الألمان). فمن ليس طالباً أو عاملاً في الجامعة، هو في الغالب الأعم عامل في “سيمنز”. وبسبب ذلك تحديداً، سيبدو ملفتاً، أو مدهشاً في الواقع، عدد المواطنين الصينيين في المدينة، إما لمتابعة تحصيلهم الأكاديمي أو للمشاركة في دورات تدريبية في إطار تخصصهم تنظمها أساساً “سيمنز” أو الجامعة.
لكن “المشهد الصيني” في إرلانغن لا يبدو استثنائياً أو طارئاً في إطار سياسة الدولة التي صارت اليوم تحتل المركز الثاني على صعيد الاقتصاد العالمي. إذ إن المرة الأولى التي أتيحت لي شخصياً ملاحظة هذا المشهد كانت قبل قرابة سبع سنوات، في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. وعلى الرغم من أن تعليقي الأول على ذلك، ممازحاً زملاء معي، هو ما إذا كنا نتجول في الحي الصيني وليس بين مباني واحدة من أعرق جامعات العالم، فقد بدا ذاك المشهد -كما إرلانغن اليوم- كافياً تماماً لتعرية الهوة السحيقة بين “النموذج الصيني” الأصلي وبين النسخة العربية التي طالما ادعى مستبدون عرب، أبرزهم طبعاً نظام الأسد، استلهامها من ذاك النموذج.
بشديد اختصار، يمكن تلخيص “النموذج الصيني” بأنه أولوية التنمية الاقتصادية على “السياسية”، وأن هذه الأخيرة ليست شرطاً ضرورياً لتحقيق التنمية الاقتصادية، بل ولربما ادعاء وجود تعارض بينهما في مرحلة ما على الأقل في البلدان النامية. وإذا كانت هذه المقولات تذكر بحصيلة الفشل التنموي الذريع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في العالم العربي وسواه، فإن المختلف منذ مطلع القرن الحالي على الأقل نجاح تجربة الصين اقتصادياً بشكل راسخ قد لا يقبل أي جدل.
والحقيقة أنه ليس من الصعب تفسير فشل “النموذج الصيني” العربي بما أدى إلى كوارث فاقت ما شهدته تجارب التنمية الاستبدادية في القرن الماضي.
قد يبدو العامل الأول والأبرز هنا هو فارق الإمكانات المهول بين دولة مثل الصين، كبرى بالمعايير الجغرافية والبشرية والعسكرية، وبين الدول العربية المحدودة الموارد بشكل عام. إلا أن نموذج سنغافورة الذي يمكن اعتباره، بمنطلقاته ونتائجه، نموذجاً صينياً شديد النجاح أيضاً، ينسف تأثير عامل الإمكانات، لكنه يؤكد في الوقت ذاته السبب الحقيقي للفجوة بين “النموذج الصيني الأصلي” و”النموذج الصيني العربي”، وهذا السبب ليس إلا الغاية الفعلية لكل من النموذجين.
فالقيادة الصينية حين أعلت من شأن التنمية الاقتصادية على حساب التنمية السياسية (بغض النظر عن الموقف المعياري السياسي والأخلاقي من ذلك)، كانت تسعى فعلاً إلى تحقيق التنمية الاقتصادية وانتشال ملايين المواطنين من الفقر. وهي لذلك، ضمن أمور أخرى كثيرة، تبتعث مواطنيها إلى بعض أهم الجامعات والمؤسسات والشركات عالمياً، للارتقاء بالصين الدولة؛ شعباً وأرضاً وسيادة.
أما في حالة أنظمة الاستبداد العربية المدعية استلهام “النموذج الصيني”، فإن ادعاءها ذاك كان دافعه الأساس ولربما الوحيد، كما هو ثابت أيضاً، يتمثل في الحفاظ على الاستبداد، وليس تحقيق التنمية الاقتصادية الوطنية المستدامة، بدليل أنه مع منع كل أشكال المشاركة السياسية وقمع كل الحريات، كان الفقراء يزدادون عدداً وفقراً، كما تزداد الدولة ككل ضعفاً وهشاشة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock