أفكار ومواقف

عودة الإنتاج مشروطة بنقل متطلبات التعامل مع الوباء إلى العمل

منذ البداية انحاز قائد الوطن الملك عبدالله الثاني بنظرته الإستراتيجية والعسكرية الثاقبة وبلا تردد لصالح الإنسان، عندما نظر لمنحنى المفاضلة ما بين صحة المواطن واستمرار النشاط الاقتصادي الكامل، وأعطى توجيهاته للحكومة وكافة أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، لتشكيل خلية أزمة للتعامل مع الوباء.
المتابع لما حصل ويحصل في الأردن ويقارنه بالدول الأخرى الشبيهة بذات الامكانيات نرى أن الأردن كان دائماً يسير بخطوات متسارعة على حلبة السباق أمام الدول في محاصرة انتشار الوباء بدرجة عالية.
أما وقد استطعنا السيطرة بشكل كبير على انتشار الوباء ومنع انتشاره بصورة عشوائية ومتسارعة، فقد تساءلنا قبل أسبوع هل آن الأوان لاستعادة حركة الإنتاج جغرافيا وقطاعيا في الاردن. صاحب التساؤل دعوات وأصوات من مختلف القطاعات الاقتصادية مطالبة بعودة النشاط الإنتاجي. ومنذ ذلك الحين بدأنا نسمع أصوات متخذي القرار تناقش هذه الطروحات بجدية، فما هي الشروط الواجب توفرها في أي قطاع للسماح له باستعادة نشاطه الإنتاجي، ونحن نعلم أن هنالك بعض القطاعات الاساسية التي لم تنقطع عن دورة الانتاج والتوزيع وخاصة في قطاعات الزراعة والصحة والأدوية والبنوك والاتصالات والتعليم عن بعد.
باعتقادي أن الشرط الأول اللازم توفره لدى أي قطاع للعودة للانتاج يجب أن يكون قدرة القطاع على توفير شروط السلامة والصحة وخاصة المتطلبات الجديدة لمحاربة فيروس كورونا، ويلي ذلك الشرط أن تكون العودة جزئية وبالحد الادنى الذي يُمَكِن دورة الانتاج من العودة، على أن يتم رفع نسبة الجزئية تدريجيا وكل 10- 14 يوما مرة لضمان عدم ظهور حالات جديدة نتيجة المخالطة في العمل ولضمان استمرار توفر شروط الصحة والسلامة في بيئة العمل، وأن نبدأ بالقطاعات التي تشغل أعدادا قليلة فيها كالشركات والمؤسسات الصغيرة، ثم نتوسع تدريجيا خطوة تلو الأخرى بالشركات الأكبر. كما ويمكن النظر في السماح للمصانع والشركات الكبرى التي تنتج للأسواق الخارجية والتي ما تزال أسواقها مفتوحة وخطوط التصدير مفتوحة باتجاهها.
كما ويمكن إعطاء الشركات التي تستورد مواد أولية لمنتجاتنا التصديرية وخاصة تلك التي تكون أسواقها مفتوحة من دول شرق آسيا وعلى رأسها الصين. واذا ما كانت الجهات الصحية والجهات المعنية بمراقبة انتشار الأوبئة مطمئنة على الاوضاع الصحية، فيمكن التفكير بفتح قطاعات التجارة والخدمات على أن تفرض عليها شروط صحية تلبي متطلبات المحافظة على بيئة العمل آمنة وصحية وتلبي شروط التباعد والحد الأدنى من المخالطة. ويمكن النظر في السماح لقطاع الانشاءات بالعمل لما له من ترابطات ما أكثر من 35 قطاعا آخر مع ضرورة توفر الشروط الصحية الجديدة اللازمة.
كل ذلك آخذين بالنظر تأثير سياسة العودة الجزئية على توفير دخل لأصحاب العمل والعمال لما لذلك من تأثيرات مباشرة على الأسر وقطاعات الأعمال وايرادات الخزينة الضريبية المختلفة من ضريبة دخل ومبيعات ورسوم وغيرها.
استمرار توقف النشاط الاقتصادي يتطلب من الحكومة أخذ محور الأجور والرواتب بشكل جدي، فهذا الموضوع يصبح جدياً أكثر كلما طالت فترة الحجر وفترة توقف النشاط الاقتصادي وتعطل قوى السوق الرئيسية من عرض وطلب. ويكون ذلك بتشارك الحكومة مع الصناديق الرسمية، كصندوق التعطل في الضمان الاجتماعي وصندوق التنمية الاجتماعية وغيرها، وتلك التي أنشئت لهذا الغرض كحساب “همة وطن” وغيره.
هناك مساهمات قامت بها الحكومة بأشكال مختلفة تتعلق بتخفيض اشتراكات الضمان الاجتماعي وتأجيل الفواتير وغيرها، لكنني أعتقد أنه يمكن للحكومة التفكير بإصدار سندات خزينة لتغطية جزء من النفقات الطارئة اذا تطلب الأمر ذلك، لتغطية جزء من رواتب بعض فئات المجتمع من عمال مياومة وغيرها مساهمة منها بالتشارك مع القطاع الخاص.
ما حصل خلال الاسابيع الماضية هو كبت لكل من العرض والطلب في معظم القطاعات الانتاجية. ما زلت عند رأيي أن العودة يمكن أن تكون جزئية وقطاعية وجغرافية، ولكن يجب البدء بها بأسرع وقت ممكن وخصوصا أن بيانات الإصابات اليومية بفيروس كورونا مسيطر عليها وغير متفجرة. العودة للعمل يجب أن تكون بشروط صارمة وخصوصاً أننا اعتدنا على رؤية بعضنا البعض بالكفوف والكمامات الصحية ووضعنا لأنفسنا أيضا شروطا وإجراءات يومية في المنزل للتعامل مع هذا الوباء وسننقلها معنا ولو مؤقتاً لأماكن العمل. عودة قطاعات الإنتاج أمر مطلوب لأن تأخيرها لا يصب في مصلحة أحد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock