اقتصادتحليل إقتصادي

عودة الـ”العشرينيات الصاخبة” غير ممكنة

ترجمة أفنان أبو عريضة

إن التفاؤل الذي كان قد بدأ بالظهور في مطلع عام 2019، اتضح أنه ليس أكثر من أمل زائف بإعادة التاريخ لنفسه ودخولنا عقدا عشرينيا مليئا بالصخب والازدهار كالعشرينيات الصاخبة للقرن المنصرم. حيث تمسك الناس بعد مرور عقد كامل من النمو الاقتصادي البطيء وتراجع مستويات المعيشة بأنه لا بد وأن يتبعه انتعاش اقتصادي.
بالطبع كل هذه الآمال لا يبدو أكثر من حلم طفولي الآن، فحتى الآن لم تكن سنوات العقد العشريني الحالي “صاخبة” على الإطلاق. حيث أن انتشار الجائحة وأثرها على الاقتصداد العالمي منذ بداية 2020 لم ينته بعد. ففي الصين، معقل فيروس كوفيد 19، كانت أول من لجأ إلى فرض إغلاقات واسعة حول البلاد والذي تسبب في دخول ثان أكبر اقتصادات العالم في حالة تراجع منذ ذلك الحين.
والدول المحركة للاقتصاد الأخرى ليست أحسن حالا. فمعدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة هو الأعلى منذ 40 عاماً والذي سجل 9.1 % في حزيران (يونيو)، مثقلاّ الجميع بالتخوف من رفع البنك الفيدرالي سعر الفائدة أكثر فأكثر. وإن كان هناك تخوف من دخول أكبر اقتصاد في العالم مرحلة الركود، فإن مخاوف مشابهة ستظهر بالتأكيد في القارة الأوروبية والتي فرض عليها التعامل مع ظروف عجز في الطاقة بسبب وجود حرب قائمة في قطبها الشرقي واضطراب الوضع السياسي في إيطاليا. وبذلك تراجع قيمة اليورو مقابل الدولا الأميركي مؤخراً للمرة الاولى منذ عشرين عام لم يكن بالمفاجأة.
وليست وحدها الدول الغنية من يواجه هذا النوع من التحديات. فسري لانكا بعد خوضها معركة في مجابهة الوباء وترهل إداري متغلغل في كافة مؤسسات الدولة، وجدت نفسها على حافة الانهيار. والذي من شأنه جرغيرها من الدول التي تعاني من الدين وشح في الغذاء نحو نتائج مشابهة.
في ذات الاثناء يبقى التغير المناخي يشكل خطرا حقيقيا على النمو القتصادي. ورغم تقديم العديد من الدول الكبرى والمنظمات البيئية وعودا بالتوجه نحو حلول صديقة للبيئة بعد تراجع أثر الجائحة، إلا أنه قليل ما يتبع الكلام أي أفعال في واقع يتدهور فيه الوضع البيئي دون رجعة.
لذا ومن بداية هذا العقد، يتضح أن فكرة مرورنا بـ”عشرينيات صاخبة” في الحقيقة بعيد المنال. والأمل بمعايشة فترة من الزمن تتغير الأحوال فيها إلى الأفضل فقط تحول حقبة من الأزمات المتعاقبة – من جائحة عالمية إلى تضخم ونشوب حرب، وإن لم يحالفنا الحظ، ركود قادم لا محالة”.
لكن ما يزال هناك من يتشبث بالأمل، فبدايات العشرينيات من القرن الماضي كانت سنوات مضطربة أيضاً. فهل هيمن عليها كذلك شحوب جائحة ما يعرف بالإنفولنزا الإسبانية. بالإضافة إلى حرب أهلية في الاتحاد السوفييتي. غير أن تلك السنوات تلت نهاية الحرب العالمية الأولى مباشرة والتي اتسمت بعدم الاستقرار الاقتصادي والتضخم. لكن الجزء الأخير من ذلك العقد كان أكثر استقرارا استمر حتى انهيار عام 1929.
احتمال دخول العالم في ثورة صناعية جديدة أيضاً يضيف إلى أمل تحسن الأوضاع في المستقبل القريب. فكذلك التحسن الاقتصادي الذي شهده العالم في الفترة ما بين الحربين تعود بشكل كبير إلى انتشار استخدام التكنولوجيا التي ظهرت وتطوّرت في بداية القرن العشرين كالسيارات والطائرات والراديو وغيرها من الاختراعات. واليوم يتكلم العديدون عن ثورة صناعية رابعة ناتجة عن التطور الكبير في علم الأجنة والذكاء الاصطناعيّ والطباعة ثلاثية الأبعاد والطاقة المتجددة. لكن الاقتصاد العالميّ ما يزال في انتظار العائد من هذه التطورات التكنولوجيّة.
لربما سيكرر التاريخ نفسه، فإن هكذا تقنيات تكنولوجية من المؤكد ان ينعكس أثرها عاجلا أم أجلاً على أرض الواقع. وإن آل ذلك إلى الوقوع بحق يكون علينا حينها العمل على تسريع هذه العملية الانتقالية حتى لا تتكرر الاخطاء الاقتصادية التي سبقت ولحقت “العشرينيات الصاخبة” كالكساد الأعظم.
هناك أربعة أمور من شأنها تمكيننا من فعل تسريع هذه العملية: أولها هو وضع خطة اقتصاديّة واضحة لكنها مرنة في ذات الوقت حيث تجمع ما بين التضخم ونمو سوق العمل. ولكنه كما يتضح من محاولات البنك الفيديرالي الأميركي وغيره من البنوك المركزية، فإن ذلك ليس بالأمر السهل.
النقطة الثانية هي التوجه نحو رفع نسبة الاستثمار في التكنولوجيا الصاعدة للتمكن من توفيرها والتي هي عمود الثورة الصناعية القادمة على نطاق واسع. وإن لم يقم القطاع الخاص حول العالم بتأمين هكذا استثمارات، يكون على الحكومات الاستعداد إلى التدخل.
الخطوة التي تليها هي المجابهة الجادة لتفاوت الدخل. إذ أن عوائد التقدم التكنولوجي بعد الحرب العالميّة الثانية لم تبدأ بالتبلور إلا بعد النمو الكبير في أجور العمّال وقدرتهم الشرائية، وذات الشيء ينطبق اليوم. فإن إيجاد علاقة متزنة بين رأس المال والقوة العاملة أصبح ضرورياً بعد ان أصبحت الفجوة الطبقية خرماً يصعب إغلاقه.
وأخيراً من المهم تواجد تعاون اقتصاديّ على نطاق عالمي بدلا من الخطط المشتتة والمتضاربة المتواجدة حالياً. إذ أن على الدول الفقيرة ان تكون جزءا من الصراع ضد التغير المناخي والذي لا يمكن تحقيقه دون إعادة توزيع الدخل عالميا، بداية بتخفيف أعباء الديون على الدول النامية.

ذا جارديان – لاري إليوت

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock