أفكار ومواقف

عودة المسخ

ما يحدث في فلسطين من عمليات قتل يقوم بها المستوطنون والجنود الصهاينة، ليس أمراً جديداً، ولكننا نعيش عصر الكاميرات التي تصور كل شيء، وبالتالي يمكن أن نعرف، أو بكلمات أدق أن نشاهد ما يحدث.
إذا كنت مهتماً، قد يسكنك مشهد معيّن، شاهدته على جهاز حاسوبك، أو على هاتفك؛ تتذكره أكثر من غيره. مثلا، الطفلة هديل، من “قلنديا”، بساقيها الناحلتين وذراعها الواهنة تحاول طعن مستوطن، فيتكالبون عليها كما لو كانت مخلوقا غير آدمي يجدر قتله وحسب؛ قتله وإدارة الظهر والمضي، كما يقتل البشر كائنات حية يعتبرون أن لا بأس في قتلها وعدم التفكير فيها والمضي.
أستخرج كتيب “كسر الصمت.. شهادات جنود من الخليل”. أبحث في الكتب، أجد كتاباً (بالإنجليزية) عنوانه “الصدمة النفسية للحرب والمجتمع: لعق الجراح المخفية”.
أتذكر كتاب “إدارة التوحش” الذي نشرته تنظيمات القاعدة والسلفية الجهادية. والتوحش عندما تقرأ عن الكتاب، تجد أنّه يعني حالة الفوضى التي قد تحدث بعد سقوط الأنظمة، وكيفية إدارة هذه المرحلة لحين إقامة الدولة الإسلامية. لكن لا يمكن تنحية أهداف استخدام لفظة “التوحش”، من استفزاز رغبات ونوازع العنف والرعب التي تجتذب كثيرين، تماماً كما تجتذبهم أفلام العنف والدم. ولا أجد فرقاً يذكر بين “توحش” و”توحش”.
في كتاب “لعق الجراح”، يقول قائد عسكري صهيوني، إنّ أصعب شيء على الجنود “لحظة لقاء الأعين (قبل بدء الضرب والعنف والإهانة). فهذا القرب الجسدي مزعج، وصعب، ولكثير من الجنود هنا تكمن الأزمة”. ويصف جندي آخر: “نحن نوقف الناس، أو نضربهم، والجندي يوقف شخصا ما، فيقول هذا “اتركني، لم أفعل شيئاً”، ويكون الرد لكمة في وجهه. كان هذا صادماً لي في أول أسبوع، وتجادلتُ مع الناس (الجنود) حوله، وبعد ذلك لم أعد أشعر بشيء”.
في كتاب “كسر الصمت”، يقول جندي: “ندخل بيتا للتفتيش. تدخل البناية، تركل الناس”، هذا أكثر شيء أتذكره من الخليل.
يقول جندي آخر عن أول لحظة له في شوارع الخليل: كنت أتوقع القتل في لحظة، من أي نافذة، من أي زاوية، فكنت أنظر في كل مكان “قبعت في زاوية وبندقيتي موجهة لطفل صغير. فجأة انفجر الطفل بالبكاء وهرب”. وأذكر مرة كنا (الجنود) نسير في خطين متوازيين، وكان هناك ولدان شقيقان يسيران وصار لزاماً أن يمرا بيننا. كان الأخ الكبير يضم الصغير له، وفجأة ركضا (هرباً). ويضيف الجندي: “عندما اعتدت ولم تعد “تفرق معي”، رأيت عربيا ينظر إلي من النافذة، ولا أعرف لماذا، قمت بتوجيه البندقية إليه فأغلق النافذة وهرب”. ويوضح: “في البداية تكون خائفاً، ثم تسمح لنفسك ببعض المشاعر الإنسانية، ثم لا تعود تهتم لشيء”.
في فيلم “ما بعد الصدمة” الذي ظهر قبل أكثر من عشر سنوات، عن جنود من الانتفاضة الأولى، يقول جندي: “كنا نمشي في الشارع (في نابلس)، ورأينا خمسة مراهقين يشربون الشاي ويلعبون النرد، وكل شيء كان مسالماً. مررنا بهم، قلبنا الطاولة، وبدأنا بضربهم”. وعندما سألنا قائدنا لماذا فعلنا هذا “قلنا كانوا يشتموننا”. ويقول كنا نعرف أنّ “لدينا محاميا” دائماً.
يرفض الجيش الإسرائيلي السماح بنشر نتائج دراسات أجريت على الحالة النفسية لجنوده. وهذا طبيعي، لأنها تتحدث عن “مجتمع مسخ” سينشأ. أحد التقارير أعد من ضباط نفسيين يعملون في الجيش تضمن: “إنّ هناك تدهورا في آليات الضبط الذاتي للعنف، هناك دمار نفسي، وتزايد في حالات الكوابيس الليلية والاكتئاب”. منع التقرير من النشر، وعوقب الطبيبان عندما تسربت أجزاء منه للصحافة.
عندما وقعت المذابح النازية، قبل أكثر من سبعين عاماً، خرج مفكرون يقولون إنّ الحديث أن البشر يتقدمون، هو أكذوبة. وقالوا إنّ الإنسان شرير بطبعه، وإن الأفكار والنظريات عن السلام والعدل والثورة والحداثة كذبة.
عندما قال الصهاينة إنهم يأتون لفلسطين، قالوا إنّهم يأتون لتخليص اليهود من العذابات والمطاردة.
عندما ترفض ألمانيا والمجر واليونان وسم بضائع المستوطنات وإعلام من أين تأتي، فهل يتواطؤون مع هؤلاء الجنود والمستوطنين؟ هل يعلم الألمان والمجريّون واليونانيون ماذا يحدث؟ هل يؤيدون التوحش؟ وهل نعلم نحن ماذا يحدث من صمتنا؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock