بعض الناس لا يقيمون وزناً لفكرة وجود عينين اثنتين في الوجه، ويُصرّون على استخدام واحدةٍ فقط، أحياناً من باب التوفير، وأحياناً أخرى من باب الجهل حين يعتقدون أن العينين الاثنتين تؤديان وظيفةً واحدة!
وهم بذلك يُلغون فكرة الأَبعاد في الصورة، ويتعاملون مع الكون كشكلٍ مُسطّح، فيحشرون ما يريدون رؤيته، كُلَّه، في زاويةٍ واحدةٍ، ويرونه على هيئةٍ واحدة فَصّلوها هـُم كما يشتهون لها، .. وذلك يشبه على نحوٍ ما ماعزاً أهوج يندفع بقرنه لينطح خصماً لن تقنعه كل الدنيا أنه صورته في المرآة!
هكذا لا ينتبه هؤلاء أن في الكون أبيض و.. أحمر، وأن في الأرض جنوباً وشمالاً، وأن الطريق التي تذهب للسجن قد تذهبُ للحديقة أو لحفل زفاف!
ولا يقتنع هؤلاء، أيضاً، أن الذي ينام متخماً وأطفاله جوعى لا يؤتمن على أطفال الجيران، ولن يتوقف طويلاً عند اصفرار شجرة ذلك الذي يحرق غابة!
بل يناطح هؤلاء المرآة، ويجادلونك أن “الديكتاتور” الذي يحرق أطفالاً في الثالثة عشرة، ويرقص جنوده فوق جثث المواطنين العُزل ويأخذون صورة تذكارية، يلبس روب الحرير مساء ليقرأ لـ”دوستوفيسكي” ويستمع لفيروز ويفكر في نومه .. بتحرير فلسطين!
ولأن “الدوغمائية” كالجهل، أعيت من يداويها، يظل البعض، يُغلق عينه بكفّه، أو بكفٍّ أخرى امتدت له بحفنة ليرات، فلا يرى ما يحدث أمامه أو خلفه أو .. شمال قلبه، ويزعم أنه “زرقاء” العرب التي ترى أبعد مما يرى البسطاء وأهل السبيل!
عينهم الواحدة تُشفق على الصغار في اليمن، لكنها لا تسمعُ عويل أمٍّ على بُعدِ مركز حدودي واحد، ذبحوا طفلها بمنشار الخَشب، وجرّوا والدها الأشيب من لحيته في سوق الخضار، وينصرفون في المساء المريض ذاته لكتابة الشعر والقصة والمقال المقاتل عن “المثقف العضوي” وعن “الزعيم الفذ” وعن “الحريات” و”التغيير”، ويحتفلون بـ “عيد العمّال” و”عيد ميلاد الشيخ إمام”!
لا أعرف كيف للصورة أن تتسع لجلادين فيبدو أحدهما قاتلاً والآخر ضحية، وكيف تصير التظاهرات في بلدٍ ما ثورةً وفي بلد آخر مؤامرةً، ويصير فجأة أكثر من عشرين مليوناً يكذبون بضراوةٍ ويلفّقون التهم للرئيس الوديع الذي لم يؤذِ في حياته ذبابةً ولم ينهر قطّاً .. بل إنه لم يفتح فمه حين حطمت طائرات العدو زجاج بيته قبل عامين!
وكيف، لو أفهم، يصير الحاكم الذي يذبح أطفال بلاده حريصاً على تحرير أطفال غيره، وكيف يكون زعيماً للمقاومة من يطلق النار على النشيد ويقصف الأغنيات بالمدفعية؟!
أصحاب العين الواحدة يتمترسون مُكابرةً خلف الكذبة الكبرى التي لا يصدقون بعد أنها انهارت، وربما يكون ذلك متفهماً؛ رغم أن حجم الطلاء الذي كان يغطيها هشّ ورقيق، لكنهم لن يعترفوا بانهيار الصنم /الكذبة/ الأسطورة/ الخديعة لأن ذلك يعني سقوطهم على ظهورهم بلا أي غطاء، ويعني أنهم عاثوا ضلالاً وتضليلاً لعقود طويلةٍ في الشارع العربي، .. ويعني أن يعتذروا على الأقلّ لأطفالهم عمّا ألقموهم من ضلالات!
فالقاتل الآن واضح، والضحية واضحة، ويظلّ على صاحب العين الواحدة أن يتحسس وجهه فربما يجد عينه الأخرى متخمةً بالصور!

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ثورة الشعب السوري الشقيق /انهارت الاسطورة
    ان الانجاز الاعظم حتى الان للشعب السوري العظيم و ثورته المباركة هو في سقوط اسطورة المقاومة و الممانعة و على اولئك الذين كانو يريدون ان يقنعونوا ان نظاما وقف في حياته مع الغرب ( 1970 ثم دخول لبنان ثم 1982 ثم المشاركة في حفر الباطن ) هو نظام ممانع و مقاوم لمجرد انه يجيد اللعب بالاوراق التي بين يديه و يرميها ( عبدالله اوجلان ) للدفاع عن نفسه و ربما عند مقارنته بسمير جعجع (حليف 1976) او بن علي او مبارك (ليس في كل مواقفه اكيد )
    خلاص انتهت الاسطورة و (انكشف المستور ) الذي لم يكن مستورا لمن كان له قلب او القى السمع و هو شهيد
    تحية للشعب العظيم في سوريا العظيمة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock