أفكار ومواقف

عيوب وصدوع في نظرية الذكاء المتعدد

يقول أستاذ علم النفس في جامعة فرجينيا دانيال تي. ولينغهام، في دراسة علمية لنظرية الذكاء المتعدد التي طرحها وطورها هوارد جاردنر في ثلاثة كتب (1983، و1993، و1999)، وجعلته بطلاً عند كثير من التربويين والمعلمين والمعلمات، إن جاردنر حصل على هذا المجد لمجرد وصف المواهب بالذكاءات.
ويضيف: ماذا تقول إذا عاد طفلك من المدرسة اليوم ليحدثك عن استعمال الأغصان وأوراق الشجر لتعلم التهجئة؟ لا شك أنك ستستغرب ذلك، ولكنه مطلوب إذا كان ذكاء طفلك طبيعياً، وهو أحد الذكاءات الثمانية التي يدّعي جاردنر -الأستاذ في جامعة هارفارد- أنه اكتشفها. أما إذا كان ذكاء طفلك حركياً، فإن أحد مطبقي نظرية جاردنر، مثل توماس أرمسترونغ، يدعو إلى ربط التهجئة بالحركات الجسمية؛ من مثل ربط الحروف الصامتة أو الساكنة بالجلوس، وحروف العلّة بالوقوف.
لقد سيطرت نظرية جاردنر على المشهد المدرسي في أميركا وخارجها في العقود الثلاثة الأخيرة، ما دفع المجتمع العلمي التربوي والنفسي إلى البحث العميق المتحقق في مدى صحتها، بخاصة وأن جاردنر ظل ومنذ طرحها يجري تعديلات عليها إلى اليوم، في ضوء الانتقادات والإشكالات التعليمية التعلّمية المنبثقة عنها.
يدّعي جاردنر أن نظريته تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية، هي: أن الذكاء متعدد، وليس كما يدعي علماء النفس الذين يعتبرون الذكاء وحدة واحدة؛ وأن عدد الذكاءات ثمانية (حتى الآن)، وأن كلاً منها يعمل مستقلاً عن الآخر؛ وأن للنظرية تطبيقاتها في التعليم، سواءً في المناهج أو في أساليب التعليم.
ومن ذلك أننا إذا أُعطينا امتحاناً في مفردات اللغة، وآخر في التهجئة، فإن علامتنا في الامتحان الثاني ستماثل علامتنا في الأول، لأن لدينا ذكاء لغويا، ولكننا لا نحصل على علامة مرتفعة في الرياضيات، لأنه ليس لدينا ذكاء رياضي، لأن الأخير مستقل عن الذكاء اللغوي.
لكن البحوث العلمية لا تؤيد وجهة النظر هذه، وتؤكد أن جميع الاختبارات مترابطة وبانسجام تام مع العامل الواحد أو الوحيد، وهو الذكاء العام (g) أو القدرة العقلية العامة (g).
نعم، إن علامات اللغة أكثر صلة بعضها ببعض، وكذلك علامات اختبارات الرياضيات. ولكن علامات المادتين وغيرهما مترابطة. وهكذا يحل النموذج الهرمي -أي حيث يؤثر الذكاء العام (من فوق) في العملية العقلية اللغوية والرياضية، ويجعل اختبارات اللغة والرياضيات ذات علاقة لأنها تعتمد على ذكاء واحد وهو الذكاء العام- محل النموذج الأفقي المنفصل المستمد من نظرية الذكاء المتعدد، بمعنى أن علامات الامتحانات في الرياضيات وإن كانت أكثر ارتباطاً فيما بينها من ارتباطها بعلامات اللغة، فإن الطرفين يرتبطان بالذكاء العام. وهكذا يسقط أول ادعاء لجاردنر.
ويدّعي جاردنر أن كل فرد يملك ثمانية ذكاءات متفاوتة القوة والضعف. كما أنه يؤكد أن معظم الأعمال تتطلب أكثر من ذكاء واحد في الوقت نفسه، لتنجز. فالموسيقار، مثلاً، يستخدم ذكاءه الموسيقي، ولكنه يحتاج إلى الذكاء الشخصي (التعامل مع الناس) لقيادة الفرقة الموسيقية، والذكاء الجسمي أو الحركي للإشارة إليها بعزف معين. لكن جاردنر يدعي مسبقاً أن الذكاءات منفصلة ومستقلة عن بعضها بعضا. وهكذا يسقط ادعاء جاردنر الثاني.
لقد نشأت سوق واسعة من المواد الصفية المقابلة لكل ذكاء. ومع أن جاردنر انتقد ذلك ودعا إلى فصل أهداف التعليم عن الذكاءات، وقصر استخدام النظرية في المساعدة على تعليم هذه الأهداف، إلا أن السوق رسخت، وحدث ارتباك شديد عند المعلمين والمعلمات والتربويين. مع هذا، نجحت النظرية نجاحاً كبيراً، وصار المعنيون يرون أنه يجب تعليم جميع الذكاءات في جميع المواد بعكس ما دعا جاردنر إليه. وهكذا يسقط ادعاؤه الثالث.
يكمن السر في هذا النجاح بقيام جرادنر بتسمية القدرات العقلية المختلفة (المواهب) بالذكاءات، مع أنها مواهب أو قدرات. وهو ما اعترف به جاردنر قائلاً: لو ألفت كتاباً بعنوان “سبع مواهب” (Seven Talents) لما حصل على الانتباه الذي حصل عليه كتابي “Frames of Mind”.
أخيراً، هل الذكاء هو القدرة على النجاح في الامتحانات المدرسية أو اختبارات الذكاء، أم القدرة على حل المشكلات في الواقع والتكيف الناجح مع البيئة باستخدام مهارات التفكير؟ إن الذكاء عند جاردنر مجرد إمكانية بيولوجية سيكولوجية لمعالجة (Processing) المعلومات التي يمكن أن تُفعّل في إطار ثقافي معين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock