ثقافة

غانم زريقات: أنت باق معنا لم تمت ولن تموت

“خليك بالبيت” يستضيف أحد أصدقاء محمود درويش المقربين


محمد جميل خضر
عمان-
“أنت باق معنا لم تمت ولن تموت”، بهذه الكلمات المعبرة والمسكونة بحزن شفيف، ختم المحامي غانم زريقات، مغالباً دموعه، حلقة أول من أمس من برنامج “خليك في البيت” التي استضافه فيها معد البرنامج ومقدمه الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي، في حلقة خاصة عن الشاعر العربي الراحل محمود درويش.
وحملت إجابات زريقات (صديق درويش على مدى عقود من الزمان)، شجناً صادقاً في حلقة برنامج فضائية المستقبل اللبنانية إنتاجاً وبثاً أسبوعياً مساء كل ثلاثاء.
وفي تناوب بين الجزء المباشر من الحلقة والمتعلق بالمحامي غانم زريقات، وبين الأجزاء الأخرى منه التي تضمنت بَثّ مقاطع من حلقة كان استضاف فيها وهبي درويش نفسه في العام 2005، وتقديم أغنيات من شعر درويش وتلحين وتوزيع وغناء الفنان اللبناني مارسيل خليفة، وكذلك تقديم مشاهد أمسيات شعرية كان أحياها درويش في غير عاصمة عربية وعالمية، تصاعد المستوى الوجداني للحلقة التي لم يستقبل خلالها وهبي أي مكالمة هاتفية (على غير العادة)، وصولاً للذروة العاطفية الإنسانية الجياشة، في الأجزاء التي تحدث فيها زريقات عن بيت درويش الكائن قريباً من بيته بل على بعد أمتار منه، وعن جلساتهما البعيدة عن الشعر ومنازله، وعن لحظات خاصة جمعت الصديقيْن المعتقيْن (درويش وزريقات) معاً.
وعرّج ضيف الحلقة التي كان أيقونتها وعنوانها حاضراً رغم الغياب النهائي الحزين، على سيرة مرض درويش، وتحدث عن قلبه، وغرابة الحالة المرضية التي كان يعاني منها صاحب “لماذا تركت الحصان وحيداً”. وتطرق لصراعه المرير مع انفجارات الكوليسترول المرعبة، وانتصاره في مناسبتين سابقتين (عام 1984 في فينا وعام 1998 في باريس) على الموت، ونجاته بأعجوبة، في لقاءين قبل لقاء هيوستن في آب (أغسطس) الماضي، من بين أيدي أردية الموت البيضاء. وهو السباق الذي كان درويش يرى أنه سيخسره في نهاية المطاف، وهي الحقيقة التي لخصها صاحب “الجدارية” في عبارة بخط يده عرضها زريقات على وهبي وجمهور الحلقة “في سباقي مع الموت أعرف أني سأخسر”.
وأسهب زريقات في الحلقة التي أَعلن فيها أن ديوان درويش المنتظر سيصدر، من دون أن يحدد عنواناً له، عن دار رياض الريّس في 13 آذار 2009 (عيد ميلاد درويش)، في شرح طقوس كتابة درويش لقصيدة جديدة. وذكر أنه كان في خضم انهماكه بكتابة جديدة، يجلس إلى مكتبه الذي لا يبعد عن غرفة نومه سوى مترين فقط، بكامل هندامه وملابسه الرسمية، محافظاً على قدر غير قابل للمساومة من المحافظة على قداسة الشعر وهيبة القصيدة التي أكد زريقات أنها غدت بعد تجربتيْ زواج فاشلتين، وبعد تقدم المرض بخطى ثابتة وحثيثة، وبعد مد وجزر وسفر لا ينتهي، ملاذه الأخير ورأسماله الصلب، يحنو عليها ويقلم أطرافها، ويهذبها من الشوائب، ويخلصها من الزوائد، ويشاور فيها الأصدقاء المقربين.
وعن أمسيات شعرية لا تنسى حضرها لصاحب “ورد أقل”، تذكر زريقات أمسية افتتاح المدرج الشمالي ضمن فعاليات مهرجان جرش في العام 1997، وأورد كيف أن حفلا غنائيا لمطرب عربي شهير أقيم في التوقيت نفسه على المسرح الجنوبي، لم يمنع تدفق خمسة آلاف عاشق لـ “عاشق من فلسطين”، على المدرج الذي لا تزيد سعته على ثلاثة آلاف، وكيف اقتعد كثيرون منهم الأرض، بمن فيهم شخصيات عامة وسياسية مهمة. وشدّد زريقات، إلى ذلك، على أن المدرج الشمالي الذي شهد هذه الأمسية التي لا تنسى لم يكن فتح فضاءه لأحد على مدى ألفي عام قبل أمسية درويش التي دشّنت عهد الشمالي الجديد.
وقبل أن يعاود وهبي نبش ذكريات زريقات عن درويش، طلع صوت مارسيل خليفة بأغنية “بين ريتا وعيوني بندقية/ والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية”.
وتحدث زريقات في الحلقة التي تجاوز فيها وهبي الوقت المخصص في سابقة لم تحدث منذ عام، عن شروط درويش القاسية في الزواج، وعن عبارته بخصوص ضرورة  أن يرزق بالأولاد “لا أريد زيادة عدد اللاجئين”، وكان سبق لدرويش، بحسب الحلقة، أن خاض تجربتيْ زواج (واحدة مع رنا قباني وأخرى مع حياة الحياني) لم يكتب لهما النجاح، ليعود بعدها لقصائده ولشعره الذي حقق من خلاله مكانة لم يحققها على الصعيد المعاصر سواه.
وكشف زريقات في هذا السياق أن قصيدة “يطير الحمام.. يحط الحمام” كتبها صاحب “أرى ما أريد” لزوجته الثانية حياة.
وعن علاقة درويش بالعواصم وعشق صاحب “لا تعتذر عمّا فعلت” للأمكنة، تحدث زريقات معرجاً على الشام وياسمينها وأهلها والرباط وخصوصية علاقة درويش بها، وكذلك بيروت وعمّان مستقره الأخير ومحط رحاله متنقلاً منها إلى باريس وتونس وقبرص وعواصم ومدن أخرى كثيرة. كما أن عمّان كانت المدينة الوحيدة التي صار فيها لدرويش بيت (مُلْك)، وليس استئجاراً كما كان الحال معه دائماً.
وتحدث زريقات في الحلقة عن عشق صاحب “أثر الفراشة” للروايات، وإكثاره من قراءتها، وأقر بأن كتابة رواية كانت من بين أمنيات درويش التي لم يستطع تحقيقها، معلناً أن الموسيقى والإيقاع ظلا يقفان حائلاً بينه وبين تحقيق أمنيته تلك.
وأبدى زريقات رغبة قوية أن يظل بيت درويش باسمه، وأن يتحول إلى متحف أو شيء من هذا القبيل، وأكد أن المؤسسة التي تأسست بعد رحيل درويش وتحمل اسمه ستكون مستقلة مالياً وإدارياً، كما وعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي دعا إلى تشكيلها.
وتخللت الحلقة قراءات لدرويش من شعره، من أمسيات عديدة، ومن الحلقة التي استضافه فيها وهبي قبل ثلاثة أعوام، ونال ديوانه “كزهر اللوز أو أبعد” نصيب الأسد من تلك القراءات: “فرحاً بشئ ما خفيّ” و”فكّر بغيرك” وغيرهما.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock