أفكار ومواقف

غرب النهر والمصلحة الأردنية

مالك العثامنة

كل ما يحدث غرب النهر يعني الأردنيين، لا بحكم خطاب إنشائي عن مشاعر الأخوة والتلاحم العربي وما إلى ذلك من عبارات بلاغية صالحة لمحتوى إذاعة مدرسية في طابور صباحي بارد لتلهب الحماس (الذي تبلد أصلا)، بل لأن الضفة الغربية هي مجال حيوي أمني للأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ السياسي والتكوين الدستوري الأول لنشأة الدولة.

لذا فالأردن معني بأن يقلق، ويقلق كثيرا ويفكر أكثر فيما تؤول إليه الأحوال المتسارعة في الضفة الغربية، والأمور حسب الوارد من أنباء قادمة من هناك تشي بانفجار وشيك وقد بلغت الأمور منتهاها عند فلسطينيي الضفة الغربية.

الأردن معني أن يفكر أبعد من الخطاب الدبلوماسي عن “دعم الأشقاء” وما إلى ذلك من عبارات الترطيب الهوائية، ومن حق الأردن أن يضع في حسبانه احتمالات ما بعد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، فالسلطة “منتهية الصلاحية أساسا” ليست التاج البريطاني ذا التقاليد والأعراف التي يمكن حساب انتقال السلطة فيها بالسنتمتر، وكل إرث السلطة في الانتقال لا يتجاوز نسخ التجربة “العرفاتية” في تولي زمام أمور لرئيس ثلاث سلطات: السلطة الوطنية نفسها، ومنظمة التحرير “المأسوف على كل تاريخها” وحركة فتح أكبر فصائل تلك المنظمة!

اليوم، الأمر مختلف تماما، فالصراعات داخل السلطة وحال السلطة نفسها يفرد مساحات شاسعة من علامات السؤال حول مستقبل الضفة الغربية، ومستقبل القضية الفلسطينية برمته، هذا غير مستقبل العلاقات الأردنية مع غرب النهر.

التمسك “الدبلوماسي” بفكرة “حل الدولتين” لن يصمد طويلا أمام واقع حقيقي على الأرض قضى على كل أساسات اتفاق أوسلو وحل الدولتين المنشود، والصراع “الداخلي” الفلسطيني – الفلسطيني داخل أجنحة الحكم في رام الله لم يعد سرا مخفيا على أحد، والعلاقة مع الأردن عنوانها “التوتر والاستفزاز” من قبل رموز تلك السلطة منتهية الصلاحية، فبعد مقال أحد منظريها الذي لم يتردد بمحاكمة “الدولة الأردنية” على حساباتها السياسية، يخرج رئيس اتحاد الكرة وأحد الرموز البوليسية في تلك السلطة ليتحدث بما لا يليق ولا هو أهل له عن العلاقة مع الأردن، تلك إشارات غير طيبة بل وعدوانية لم تعد الدبلوماسية “المهذبة” كافية للتغطية عليها.

ببساطة، من مصلحة الأردن أن يفكر خارج الصندوق “الموروث” والعتيق، ويبدأ بإعادة تشكيل حساباته في سياق التغيرات الإقليمية شديدة التسارع.

نحن أمام شرق متوسط جديد، عنوان التغيير فيه أيضا يكمن في الغاز الذي يقبع في مواجهة كامل سواحله الشرقية بكميات ضخمة ولعل المفارقة أن أكثرها موجود في بحر غزة، حتى “أنهم” في غزة باتوا يفكرون خارج الصندوق والحديث كثير عن اتفاقيات “تفاهم” مختلفة عن كل أبجديات عالم “الشرق الأوسط” القديم”.

ها هو لبنان يكاد يصل إلى اتفاقات “غاز” مع إسرائيل قد تفضي إلى ترسيم حدود، وأنقرة تتحرك بغزل نحو القاهرة وأبو ظبي، والعراق يبحث عن عمقه المصلحي في الإقليم العربي، ونحن اليوم “أردنيا” بحاجة أن نبدأ بالتفكير في كل مآلات ما يدور حولنا، والضفة غرب النهر أول خريطة الطريق لنعيد تموضعنا السياسي من جديد، خصوصا في مواجهة يمين إسرائيلي لم يتوقف يوما عن التفكير الإستراتيجي بنقل كل أزماته وترحيلها “شرق النهر”، والوقت ليس في صالحنا بالمطلق.

المقال السابق للكاتب 

حوار على ضفاف الإصلاح

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock