أفكار ومواقف

غريزة “التفوقية” وحتمية الصراع..!

استقر في الوعي العالمي المعاصر أن “الحضارة الغربية” متفوقة بأشواط على بقية الحضارات. ولا يقتصر تفوق الغرب، كما تذهب الفكرة على التجليات المادية، وإنما يتصل أيضاً بنوعية الإنسان، سواء من حيث القيم التي يعتنقها، أو نوعية الإنتاج الذي هو قادر عليه. وكثف هذه الفكرة المفكر البارز، فرانسيس فوكوياما، في أطروحته الشهيرة عن “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، وقال فيها إن “الديمقراطية الليبرالية، بقِيمها عن الحرية، والفردية، والمساواة، والسيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، هي مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية”.
لكن هذه الأطروحة تتأسس –لدى النظر إليها من الخارج- على اعتقاد بالصلاح الذاتي والكمال والخلو من العيوب. وقد تراجع فوكوياما نفسه فيما بعد عن التنظير لمثالية الديمقراطية الليبرالية، ولاحظ في مقال نشره في آب (أغسطس) الماضي أن هذه الصيغة يقوضها صعود “سياسات الهوية”. ولاحظ أن الغرب الذي سوقه سابقاً كتجسيد للأيديولوجيا النهائية، تخالطه النزعات القبلية العصبوية والقومية الشوفينية. وبذلك، ليس الغرب، بهذه الأوصاف، يوتوبيا “الحرية الفردية، والمساواة، والسيادة الشعبية”. وكما نعرف من واقع المشاهدة، فإن “الليبرالية الاقتصادية” لم تنجب توزيعاً عادلاً للامتيازات والثروة، وإنما أثارت سخط الأغلبية الشاكية من التهميش، والتي وجدت السلوى في الخطابات الشعبوية والقومية، وامتلأت بالخوف من الآخر ومعاداته حد إقصائه جسدياً (آخر التجليات مذبحة المسجدين في نيوزيلندا).
كان مما لم يلاحظه فوكوياما في نظريته أن حضارة “الديمقراطية الليبرالية” الغربية فعلت كل شيء لتحقيق ما يسميه “الميغالوتيميا”، (الرغبة في اعتراف –أو فرض اعتراف- الآخرين بتفوقها). وقد أظهر التاريخ زيف الادعاء بـ”التنوير” الأوروبي للـ”الهمجيين” كذريعة للاستعمار الذي لم يكن هدفه سوى الهيمنة وتأكيد التفوق والسيطرة على الموارد لإدامة هذا التفوق. ولم يكن في عمل “الحضارة الغربية” المعاصرة الاستشراقية، كما نعرفه، اتجاه يعتد به نحو إقامة مجتمع عالمي متحد وعادل، يحقق المساواة بين الناس في السلام والحرية، أو في حصص الأفراد من ثروة الكوكب وموارده.
كانت العلاقة دائماً بين الحضارات علاقة صراع، وما تزال. وكما تبين، لم يشهد العالم حضارة واحدة متسامحة حقاً ومخلصة النية تجاه من تعتبرهم “الآخر”. وكلما شحت الموارد، وتفاقمت رداءة التوزيع، اتسع الصراع ليدور في داخل “الحضارة” المعنية نفسها. أما أية “مثُل” يجري الحديث عنها، فنسبية وقابلة للتبديل. وكما يحدث، أصبح “الغرب” كوحدة حضارية مفترضة تعرض نفسها نموذجاً للتبشير بالصلاح العالمي، يعود إلى القومية، وإلى وحدات قبلية أصغر داخل القومية، مثل العرق والدين والأصل والطبقة، وبطريقة تغذي التناحر والعنف، إلى جانب الصراع المتواصل لإخضاع الحضارات الأخرى بالغزو المتنوع والهيمنة العسكرية.
الآن، تغيم صورة الغرب المثالي الخيري والمتسامح، ويتصاعد صوت كراهية الأجانب (الآخر)، والدفاع عن الاعتقاد بتفوق البيض وحقهم في التميز والامتيازات واعتراف الآخرين بتفوقهم، طوعاً أو كرها. ولم يعد الحديث صالحاً عن “التفوقية الأوروبي” كحضارة استخلصت القيم الإنسانية الخالصة واعتنقتها، وإنما تكشفت الأسس العنصرية لفهم هذا التفوق وغاياته.
في الحقيقة، ليست الحضارة الغربية وحيدة في نزعتها التفوقية، وإنما يصح قول الشيء نفسه عن أي حضارة يمكن التحدث عنها: الحضارة الصينية، الروسية، الإسلامية، الهندية… وغيرها. وفي كل هذه التكوينات، ثمة شيء مماثل من الاعتقاد بالصلاح الذاتي، والرغبة في تحقيق “ميغالوتيميا” فوكوياما. لكن الإمكانيات فقط هي التي تختلف.
من واقع التبعية الحتمية في وجود حضارة أخرى تمتلك الأدوات لفرض الاعتراف بتفوقها، لا يتبقى أمام الحضارات الأخرى خيار سوى السعي إلى تحقيق ما يسميه فوكوياما، “الآيسوثيميا”: الرغبة في أن يعاملك الآخرون على قدم المساواة، كنظير. وإذا ما قُيض لأي من الحضارات المعنية امتلاك الأدوات للانتقال إلى الهيمنة، فإنها ستتحول إلى “الميغالوتيميا”.
هذه هي الاتجاهات التي تحكم المسارات البشرية. ومع العولمة وتقدم الأدوات وندرة الموارد، تتجه البشرية إلى مزيد من الصراع بدلاً من التكامل، ويكتسب الاختلاف مزيداً من الوضوح بتضييق الهويات وتكوين “قبائل” متزايدة تقاتل من أجل الميغالوتيميا أو الآيسوثيميا. ولا بد لنا من إدراك موقعنا من “صراع الحضارات” والهويات، وطبيعة مشاركتنا فيه، كبداية لمحاولة تقليل الخسائر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock