آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

غزة تستغيث: أين أنتم.. نحن نموت؟

مزن السفاريني

حسناء.. امرأة لم يتجاوز عمرها 35 عاما، كانت ترتعد خوفا، وهلعا في منزلها الصغير داخل قطاع غزة، كلما شعرت أن أطفالها الصغار يمكن أن يصيبهم مكروه في إحدى ليالي القصف العنيفة.

كانت تحتضنهم كل ليلة لتروي لهم قصة الوحش والحسناء، وتذكرهم مرارا أن الفارس الملثم وحده من يستطيع إنقاذ الحسناء وأطفالها.
وحسناء كغيرها من الأمهات في قطاع غزة تكابد الأمرين في سبيل الحؤول دون أن يمس خطب ابناءها، جراء ما يعيشه قطاع غزة الذي يدخل يومه العاشر جراء عدوان جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي أوقع 220 شهيدا، بينهم 63 طفلا و36 سيدة.


يقول أحد أفراد جيرانها نضال (اسم مستعار) كانت حسناء تتفانى في بذل جميع الاستعدادات لحماية أطفالها. لم تنم ليلة واحدة منذ بداية العدوان على غزة، في كل ليلة كانت تضع شمعة بالظلام تنصبها باعتدال، وتبكي خوفا على جنينها المُنتظر وطفلها الصغير أحمد وابنتها ليلى، كانت تنظر في أعينهم كلما أشتد القصف بثبات وجمود، قائلة: “ناموا قليلا.. ولا تخافوا، سنصحو غدا وقد انتهى كل شيء”.


كان الظلام دامسا، قبيل ساعات الفجر المتقدمة، وقفت حسناء بالقرب من إحدى النوافذ تنظر إلى سماء غزة، لا أحد منا يعرف ماذا كانت تنتظر، وبماذا كانت تفكر في تلك اللحظة؟ صاح الصبيان وقد شلهم رعب القصف العنيف، يقولون بصوت واحد: ماما.. أين أنت؟ وفزع أحمد يركض باتجاهها خشية أن يفقدها.

لا أحد منا يعرف، ربما كانت ليلى ابنة حسناء تريد أن تركض باتجاه والدتها أيضا، لكن الأوان قد فات، أو ربما سقطت على قدميها هزلا، فلم تقو على النهوض، أو الحبو إلى حضن والدتها، ويحه أيُّ خذلان هو ذلك!

80 قذيفة سقطت في غضون دقائق، يروي نضال، ذلك الفتى الذي يسكن بجوار منزل حسناء وأبنائها، كان ينتفض جسده قبل أن يغمى عليه، ويجلجل صوته وهو يروي ما حصل: “لم أنم منذ أيام طوال، لقد فقدنا القدرة على النوم ليلا، فصوت القذائف حطم الشعور بمضي الوقت”.


“رأيتها ليلة حالكة السواد والأمل، يضيف نضال، فالكهرباء دائمة الانقطاع في غزة، حاولت أن أنام قليلا فقد أوشكت أن أجن من الهلع، ولا أعرف كم مضى من الوقت، حينما استيقظت على صوت عنيف أفقدني القدرة على الحركة، كنت عاجزا عن الوصول إلى الباب للخروج من المنزل، كنت عاجزا حد البكاء.


“في لحظة مباغتة لم تكن في الحسبان، توشك أن تكون بمثابة المعجزة، توقف القصف العنيف، وخرجت إلى الشارع، يقول نضال، لم أكن أرى شيئا، كان الغبار كثيفا، كثيفا إلى حد جعلني ساكنا لا أتحرك، لا أعرف أين تدوس قدماي”.


يبين نضال كيف يعتمر في داخله غضب جامح حين رفع رأسه قليلا، ووجد الغبار قد انقشع قليلا،” رأيت المنازل جميعها من حولي مهدمة قد دمرها القصف العنيف، لم يكن أمامي إلا كومة كبيرة من الرماد، نظرتُ بازدراء لنفسي لقدماي، ضربت الأرض وقلت: لماذا لم أمت!”.


بعد بحث طويل، وجد نضال وسكان حيه، حسناء وطفلها أحمد قد استشهدوا تحت الركام، قطعة واحدة، “لم نستطع فصلهما، بحسبه، كانت حسناء تضم أحمد بين أحضانها وجنينها، وتتطلع إلى ليلى ربما، أما الأب فما زال في حالة خطرة جدا في داخل إحدى المستشفيات، يسألنا عن حالة عائلته، ولا نستطيع أخباره في الحقيقة أبدا، معتقدا بأنهم في انتظاره خلف أسوار المستشفى، يفصلهم عنه ظروف الحرب وخطورة الطريق”.

نضال مازال حتى اللحظة يبحث عن ليلى أو جثتها، ويقول :”لعلي أجدها تحت الركام، تلك الطفلة الصغيرة التي لم تعانق والدتها، مازلت أبحث ..أبحث دون توقف منذ أيام، وأقول: أين أنتم نحن نموت هُنا”.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock