أفكار ومواقف

غواية الكتابة

يمتد مفهوم الكتابة ليشمل جزءا واسعا من العمل الإنساني الفكري والثقافي، وفي أحيان كثيرة ينحصر المفهوم بالقصة والشعر. هل الكتابة مهنة يمكن تعلمها واحترافها؟ في عصر التدوين الذي نعيشه تبدو الكتابة فعلا يوميا شاملا يمارسه جميع الناس تقريبا، ويؤدون من خلاله عملهم أو يشاركون في الفضاء العام، وتكاد تتحول علاقاتنا الاجتماعية والعامة إلى شبكة من الكتابة، إذ تستوعب شبكات التواصل الاجتماعي معظم الفعل الذي نسعى من خلاله الى الانتماء والمشاركة والتأثير كما الحياة الشخصية والاجتماعية، وتتقدم اليوم فئة من المدونين باعتبارهم مؤثرين ومهمين في الحياة العامة، وهي حالة كما كل تشكلات “الشبكية” ليست واضحة أو صلبة، فالسيولة بقدر ما هي الوصف المادي للشبكة في تشكلها من تدفق الأصفار والآحاد؛ تكون هي أيضا صفة التشكلات والعلاقات والأفكار والمفاهيم، وقد يبدو ذلك غريبا أو صعبا في ظل تراكم عمليات التسمية الصلبة التي تعودت عليها الأجيال المتعاقبة!
لمن تكتب؟ لماذا تفعل ذلك؟ من أين تأتي الكتابة؟ تتساءل الكاتبة (شاعرة وروائية) الكندية مارجريت أتوود، الحاصلة على جائزة البوكر عام 2000 تقول ربما يتنكر الكتاب في هيئة موسيقيين أو رسامين.. لكننا (الكتّاب) نشترك جميعا في تسجيل العالم كما هو، ونكتب الماضي قبل أن يطويه النسيان، كي أسعد نفسي بالتعبير عن الذات، وأضفي النظام على الفوضى، وأعاقب الأشرار وأكافئ الخيرين، كي أرسم صورة للمجتمع وأكشف مساوئه، وأعبر عن المسكوت عنه، كي أسمي ما لا اسم له، وأدافع عن الروح الإنسانية واستقامة الإنسان وكرامته، .. وكي أكسب نقودا وأشتري أحذية لأولادي. وأسخر ممن سخر مني، وأبرر فشلي في الدراسة، وأنشئ وعيا وضميرا قوميا ووطنيا، وأبرر رؤيتي لنفسي وحياتي، وأسلي القارئ، وأحظى بحب فتاة جميلة/ رجل وسيم، وأستجيب لتلك السلطة القاهرة وكأنها من السماء والتي تدفعني للكتابة، وأخدم اللاوعي الجمعي، وأتقمص ما لو فعلناه في الواقع نتعرض للعقوبة، وأتحدث نيابة عن الموتى، وأفسح مجالا للأمل وخلاص الإنسان، .. وأرد بعض ما وهبني الناس.
يقول الشاعر البولندي ألكسندر وات إن الكتابة مثل العلاقة بين البدوي والجمل، إذ يبدأ بقيادة الجمل لكن الجمل يقوده في النهاية! لكن الكتابة جمل صعب المراس. وقال كتاب آخرون إنها مثل السير في متاهة، أو بحر واسع أو نهر عميق، أو ترتيب الأثاث في الظلام، أو العيش في حجرة خاوية تمتلئ بكلمات غير منطوقة، أو في مسرح خاو قبل بداية المسرحية أو الفيلم.
نشر الروائي الأميركي البريطاني هنري جيمس في كتابه “درس الأستاذ” عددا من القصص عن الكتّاب، هناك الكاتب الشاب الذي ينصحه أستاذه الكبير أن يتخلى عن كل شيء لأجل الكتابة، لكن الأستاذ تزوج من الفتاة التي يحبها الشاب، وكاتب رائع مغمور يكتشفه المجتمع دون أن يفهمه فتقتله التجربة، وكاتب أصيل فقير يتوق إلى المال والمكانة دون جدوى، وكاتبة ثرية تتطلع إلى هالة الفن، وكاتب متميز لا يكتشفه أحد، وكاتب مشهور لكنه محتال!
يبدأ الكاتب النشر مدفوعا بالرغبة والإلهام ويكون المال آخر ما يفكر فيه، لكن يتحول المال وفي سرعة إلى الهم الأول، ليس بسبب الجشع أو سوء الخلق، لكن لأجل العيش، ولأن الكتابة لا تمنح موردا للعيش يفقد الكاتب كرامته، يتحول إلى متسول، أو ينزلق إلى الصحافة مروجا أو معارضا أو طبالا، وقد يكون طريقه إلى النجاح أو العمل بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ويعزي نفسه بأنه سيكتب ما يحبه خارج العمل، لكن الكتابة فعل تفرغ وتركيز طويل وقراءة متواصلة وعزلة قاسية ومملة، ولا يمكن ممارستها في أوقات الفراغ إن وجدت، وليس من أمل للكاتب سوى أن يحصل على جائزة مهمة، .. أو يتزوج امرأة غنية أو تتزوج رجلا غنيا!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock