أفكار ومواقف

غورباتشوف لا خروتشوف

 


في مثل هذه الأيّام قبل خمسين سنة كان نيكيتا خروتشوف، الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ، يتراجع عن سياسته في الانفتاح على الحريّة والثقافة مما كان أوحى به، ومارسه جزئيّاً، في 1956.


العودة إلى العام 1959 وإلى خروتشوف ليست مجرّد زيارة الى الماضي. فالخروتشوفيّة في تجربتها تلك قدّمت أنموذجاً ومثالاً لساسة لاحقين، ولنهج ما لبث أن شقّ طريقه في السياسات الدوليّة. أمّا الساسة المذكورون فممن يستخدمون إصلاحاً مشروطاً من دون أن يمسّوا بجوهر الوضع القائم. وأمّا النهج فمفاده استخدام تلك الاصلاحات لتحسين الموقع في السياسات الدوليّة، وتحديداً حيال الولايات المتّحدة، ثمّ التراجع عنها بقصد الضغط على الولايات المتّحدة، ولو كان البلد والشعب المعنيّان من يدفع ثمن التراجع عن الإصلاح.


لقد بدا التغيير الثقافيّ موضوعاً مهمّاً منذ رحيل ستالين في 1953، لقطع الطريق على احتمالات التعبير الصاخب والمتجرّئ على السلطة. فورثة لينين كلّهم أخذوا عنه قلقه الشهير من النقد والنقّاد الذي كان يفوق قلقه من المبادئ. لهذا فإن المعارضة الفكريّة والثقافيّة، بغضّ النظر عن مدى صداها في الحزب أو خارجه، ظلّت مما يثير حساسيّة القادة الشيوعيّين بمن فيهم خروتشوف. وبعد إدانته الأولى لستالين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ عام 1956 انتشر التفاؤل في الاتّحاد السوفياتيّ وخارجه بأن الرقابة سوف تسترخي وان فسحة ما سوف تُتاح للانشقاق والنقد “المدروسين”. ومع أن المتاح كان “مدروساً” جدّاً، بدليل أن السنة نفسها سجّلت رفض نشر رواية بوريس باسترناك “دكتور جيفاغو” التي قدّم مخطوطتها للمجلّة الأدبيّة الرسميّة “نوفي مير”،  فإن الكرملين سريعاً ما أقلقه ظهور صعود ما اعتبره تراخياً وتحرّراً زائداً في الحيّز الثقافيّ.


هكذا بدأ التراجع في 1959 بينما إدارة أيزنهاور تقضي سنتها الأخيرة في البيت الأبيض، فيما راح خروتشوف يلقي خطابات عدائيّة مدافعاً عن “الواقعيّة الاشتراكيّة” في الفنون ومهدّداً نقّادها بنتائج وخيمة إذا ما مضوا في تحدّيها. وفي الوقت نفسه وجّهت السلطات الروسيّة، في 1959، ضربتها لرجال الدين الأرثوذكس والمعمدانيّين، بعدما شكّل الدين شكلاً من الانشقاق الثقافيّ الذي سُمح له، إثر وفاة ستالين، بشيء من الحريّة.  


على أيّ حال، كانت كلّ مقارنة بين خروتشوف وسياسته وبين الشيوعيّة الصينيّة وسياستها تعمل على تخفيف صورة التراجع السوفياتيّ وتؤكّد على ما هو منفتح ومتطوّر في توجّهات موسكو. ومنذ المؤتمر الثاني والعشرين للحزب السوفياتيّ في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1961 وما تلاه من تنافس مع بكين على النفوذ الكونيّ، حاولت روسيا أن تكسب لنفسها وجهاً جديداً ينطوي على شيء من الالتباس. هكذا أجيز، في 1962، لأستاذ مدرسة ريفيّ مغمور هو ألكسندر سولجنتسين ان ينشر روايته المتشائمة و”المخرّبة” “يوم في حياة إيفان دينيزوفيتش” في “نوفي مير”.


يومها كان جون كينيدي نزيل البيت الأبيض فيما “الجبّاران”، كلّ بطريقته، يوالي التبشير بالتعايش السلميّ والانفتاح. بيد أن التسامح النسبيّ والملتبس، إذا صحّ الوصف، لسنوات خروتشوف الأخيرة، بما فيه بعض التجريب الحذر، لم يغد نقداً مباشراً للقيادة السوفياتيّة. هكذا استمرّت روحيّة 1959، أي نهج الارتداد الذي استقطب القادة الشيوعيّين المنقلبين على خروتشوف بزعامة بريجنيف وميكويان وكوسيغين. وبالفعل فمع الانقلاب في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1964 تغيّر كلّ شيء بسهولة ما بعدها سهولة. وتبيّن إذّاك أن الخروتشيفيّة كانت لحظة شاردة في تاريخ الشيوعيّة الروسيّة، لحظةً لا يُعوّل عليها. هكذا عادت سنوات المرارة لتخيّم نيّفاً وعشرين عاماً على صدر الاتّحاد السوفياتيّ إلى أن ظهر ميخائيل غورباتشوف الذي أراد الإصلاح للإصلاح وليس للتفاوض مع واشنطن.

تعليق واحد

  1. التاريخ يعيد نفسه
    قرأة رائعه في تاريخ دولة مازالت مؤثرة بالسياسة الدولية،ومع البروسترويكاإعادة البناء في الذهنية والتطبيق الروسي لنظريات لينين وماركس نرى التجربة الخروتشوفية مرة ثانية تعمل على إعادة صورة روسيا في خيال الناس بلباس جديد مع أن الخامات كما هي فمازال كبار ضباط ال كي جي بي مثل بوتين هم الحكام الفعلين في روسيا أو معظم الدول المستقلة وعصا الدولة تستعد لإدارة الإقتصاد والإعلام الروسي ليكون ضمن المخطط فيما يتم التلاعب بالسياسة الخارجية على أساس إستغلال المغفلين النافعين لحين الوقت

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock