;
ترجمات

غونتر غراس والمسألة التي أغضبت إسرائيل وألمانيا

فردريك لومتر – (لوموند)
 ترجمة: مدني قصري  
قبل شهر تقريباً، في يوم 4 نيسان (أبريل)، نشر الكاتب الألماني غونتر غراس في صحيفة تسايتونج زود دويتشه، قصيدة (نشرت ترجمتها في صحيفة لوموند يوم 10 نيسان (أبريل)، والتي ينتقد فيها الفائزُ بجائزة نوبل للآداب موقفَ إسرائيل. ويهدد هذا البلد (إسرائيل) في رأيه إيران بشن ضربات استباقية، لكنه يهدد السلام العالمي أيضا. كما ندد الناشط اليساري أيضاً بالدعم الذي تقدّمه ألمانيا للدولة اليهودية، ولا سيما من خلال بيعها غواصات مجهزة بصواريخ نووية.
وقد أثار هذا الموقف ردود فعل عنيفة، في إسرائيل وفي ألمانيا على حد سواء. وحتى وإن ارتفعت بعض الأصوات ضد قرار إسرائيل بمنع الكاتب من دخول أراضيها، فقد أثار غراس في البداية الإجماع ضده. وفي رأي الكثيرين، يكشف هذا الكاتب، العضو السابق في كتائب الحماية المسلحة، عما لم يتخلّ عنه أبداً: وهو معاداته الدائمة للسامية.
لكن الرياح سرعان ما صارت تجري في اتجاه آخر. فخلال “مسيرات السلام” التي جرت في ألمانيا في عطلة عيد الفصح، قدّم العديد من المتظاهرين دعمهم الكامل للكاتب. وفي غضون ذلك، أوضح هؤلاء أنه ما كان ينبغي للكاتب أن ينتقد إسرائيل، وإنما حكومتها. وحتى مع أن غراس لم يعبر عن أي ازدراء للجدل الذي دار حول آرائه، فإنه ما يزال مستعداً للقتال، ويصرّح بأنه ليس هناك بلد واحد في العالم، باستثناء ألمانيا الشرقية، منعه في الماضي من دخول أراضيه. لكن هذا الرجل، البالغ من العمر 84 عاما، كان قد تعرض لصدمة، وأُدخل إلى مستشفًى في هامبورغ لبضعة أيام.
وفي يوم 10 نيسان (أبريل)، قدّم المؤرخ الفرنسي الألماني ألفريد غروسر، المعروف بانتقاداته لإسرائيل، دعْمه الكامل للكاتب غونتر غراس. وأكد أن أقوال غراس “معقولة” جدا. كما تلقت الصحف فيضا من الرسائل المعبّرة عن نفس التوجه المؤيد لموقف غراس من إسرائيل. ونتيجة لذلك، لم يجد الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي كان قد نأى بنفسه في البداية عن رفيق الدرب هذا، بدا من أن يتراجع عن موقفه، حيث أكد السيد سيغمار غابرييل، رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي، في مقابلة مع مجلة ديرشبيغل الألمانية، يوم 16 نيسان (أبريل) أن غونتر غراس “ليس معادياً للسامية”. وتجدر الإشارة إلى أن غابرييل قرأ القصيدة باعتبارها “صرخة استغاثة” من شخص يخشى نشوب حرب في الشرق الأوسط. ويقدر السيد غابرييل أن الانتقادات الموجة للسيد غراس “مبالغ فيها وهستيرية إلى حد من الحدود”، مُعربا عن أمله في أن يساعد غراس الحزب الديمقراطي الاشتراكي في معاركه الانتخابية القادمة”.
صمت منافق
وفي عددها الصادر في 12 نيسان (أبريل)، طرحت صحيفة “دي تسايت” سؤالا تقول فيه: “هل تريد إسرائيل الحرب حقا؟”. وبهذه المناسبة، أشارت الصحيفة الأسبوعية إلى جزء من نص غراس، والذي قلّما تمّ التعليق عليه، وهو الدعم الذي تقدمه ألمانيا لإسرائيل. فالمعروف أن هناك علاقات خاصة تربط بين البلدين بحكم التاريخ. وإذا كان ثمة موضوع نادرا ما تتناوله أنجيلا ميركل من دون انفعال، فهو هذا الموضوع تحديدا. ففي خطاب ألقته أمام البرلمان الإسرائيلي في يوم 18 آذار (مارس) 2008، ذهبت المستشارة في خطابها إلى أبعد مما كان يحق لها الذهاب، حيث قالت: “إنّ أمن إسرائيل هو جزء من وجود بلدي”. وإذن، فإن أي هجوم على إسرائيل يعتبر بمثابة هجوم على ألمانيا. فهل يعني هذا أن ألمانيا قد تنجرّ إلى حرب تخوضها إسرائيل؟ تقول دي تسايت في النهاية: “لقد وضع غونتر غراس القضية على الطاولة مثل طفل شقي يقول ما لا يجرؤ الكبار عن التعبير عنه خلال وجبة غداء عائلية”.
وفي عدد صحيفة هاندلسبلات، الصادر في يوم 19 نيسان (أبريل)، قال المحرر جوزيف جوفي، وهو أيضا رئيس تحرير صحيفة دي تسايت، بأن هناك صوتا ظل مفتقدا في النقاش الدائر حول غونتر غراس: وهو صوت أنجيلا ميركل، رسميا باسم حرية الرأي. وفي مقال بعنوان “الصمت المنافق”، عاد جوزيف جوف إلى مناقشة دواعي الدولة التي تمنعها من قول الحقيقة، وتوضيح الأسباب التي تجعل ألمانيا تزود إسرائيل بالغواصات، وأكثر من كل ذلك الأسباب التي تجعلها أكبر ثالث بلد مصدر للأسلحة في العالم -بما في ذلك، وعلى الرغم من القانون الذي يحظر ذلك، تصدير هذه الأسلحة إلى المناطق التي توجد فيها نزاعات مسلحة. ويقول جوزيف جوف في النهاية، مستنكراً: “إن إخفاء الحقيقة لا يقتصر على ألمانيا وحدها، بل إن ذلك هو واقع الحال أيضا في أماكن أخرى في الغرب، لأن السياسة الواقعية مُضنية في كل مكان، لكن الثمن هو النفاق أو الصمت”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Günter Grass et la question qui fâche

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock