آخر الأخبار حياتنا

غياب الأبناء بعد الزواج يحزن كبار السن

منى أبو صبح

عمان- خرج السبعيني أبو مصطفى من هذه الدنيا بثلاثة أبناء وابنة واحدة وزوجة وبيت متواضع، الذكور تزوجوا وانشغلوا بحياتهم، أما الفتاة فقد سافرت برفقة زوجها منذ خمس سنوات، ولم يرَها منذ ذلك الحين.
يقول أبو مصطفى “بقيت وحدي مع زوجتي العجوز، وقد تدهورت صحتنا، ورغم مساعدة بعض أقاربنا لنا في ظروف معينة، إلا أننا نفتقد وجود أبنائنا حولنا، فنحن نقدر مشاغلهم، إلا أنهم يتناسون السؤال عن أحوالنا، أو القيام بزيارتنا لقضاء أوقات توقف وحدتنا لساعات فقط”.
ويضيف “لا أعلم هل جميع الأبناء يقصرون تجاه آبائهم هكذا؟، لا أعتقد، وأذكر أنني ووالدتهم قمنا بتربيتهم جيدا وغرسنا قيم الأخلاق والواجبات في نفوسهم، حقا أصبحت دنيا عجيبة، لا نرى أبناءنا وأحفادنا إلا في المناسبات”.
تمر السنين بسرعة وتتعاقب مراحل الحياة وفي لحظة ما يجد الإنسان نفسه شبه وحيد، وقد ذهب الشباب والصحة وضعف الجسد، ويكون الأمر أكثر صعوبة حين يفارقه الأهل والأحبة من الأبناء، أو أنهم ينشغلون عنه بحياتهم الخاصة، فيظل يقاسي الوحدة والعزلة.
أما الحاج المسن أبو يحيى فقصته غريبة، لكنها تتكرر دائما؛ إذ يقول “رزقني الله ثروة كبيرة وأربعة أبناء، وعندما كبر أبنائي أخذوا يديرون عملي، لكنهم اتفقوا على تقاسم أموالي وأنا على قيد الحياة، بحجة إدارة الأعمال جيدا”.
ويردف “صحيح أنهم لا يعملون أي شيء إلا بموافقتي، لكن مع مرور الوقت أخد كل واحد نصيبه من الأموال، وذهب كل منهم وزوجته وأبناؤه، ولم أعد أراهم إلا في المناسبات والأعياد”.
ويضحك بحسرة “في آخر مرة دخلت للمستشفى لم يهتم بي أحد منهم، بل جاؤوا مثلما جاء الأقارب والجيران والغرباء”.
الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد، يبين أن كبار السن تنتابهم حالات نفسية خاصة منها الشعور بأن ما كان في الماضي أفضل من الحاضر، ومنها الشكوى الدائمة ومنها التمسك بالرأي وادعاء الصواب دائما والعزلة والشعور بأنهم قد بلغوا نهاية المطاف.
ويقول “مهما بذلنا من عناية مع الآباء، فإنه من الطبيعي أن تستمر مشاكلهم الصحية، فعلى الأبناء أن يكونوا أكثر ايجابية في التعامل مع آبائهم وأمهاتهم بصبر وتفهم، فمن الصعب أن تطلب من المسن أن يحمل نفس أفكارنا وأن يكون سعيدا ومرحا، فلا يتقبل كبار السن مفاهيم جديدة من أبنائهم لا تناسبهم”.
ويضيف “لكبار السن حق مقدس في ممارسة دورهم في الحياة كما هم الشباب، بل ربما يستحقون منا أن نوليهم اهتماما أكبر من خلال متابعة حالاتهم الصحية والنفسية والمادية، كذلك ندعو المنظمات الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية كافة إلى الاهتمام بالمسنين ورعايتهم”.
ويرى الموظف سعيد (42 عاما) أنه قد أذنب بحق والدته المسنة، فأراد أن يخفف من ألمه، فقال “إنني لن أسامح نفسي مهما طالت بي الحياة لأنني قصرت في حق والدتي”.
ويضيف “تصورت أن توفير الغذاء والملابس والدواء يكون كافيا للاهتمام بها، وكنت أوكل مهمة العناية بها إلى زوجتي، وكم كنت مخطئا؛ إذ إن زوجتي أهملتها هي الأخرى”.
ويوضح “كانت النتيجة أن ماتت والدتي ولم نعلم بوفاتها حينها إلا من جيرانها المجاورين لها، بحكم اطمئنانهم عليها بين الحين والآخر، أعترف أنني أهملتها، والآن أدعو الله كل يوم أن يغفر لي”.
وفي ذلك، يقول استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان “إن الإنسان يمر بمراحل عمرية مختلفة ولكل مرحلة خصائصها وميزاتها، وفي كل هذه المراحل لا يستغني الإنسان عن الآخرين، فهو بحاجة إليهم وهم بحاجة إليه، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي، وتكون هذه الحاجة أكثر كلما تقدم الإنسان في العمر؛ حيث تضعف قدرته على تلبية احتياجاته وقضاياه وأيضا لوجود وقت فراغ طويل، خصوصا بعد مرحلة التقاعد أو الانقطاع عن العمل”.
وهنا، كما يقول “تأتي أهمية تواصل الأبناء والأحفاد مع آبائهم وأجدادهم وهذا التواصل له أهداف عدة منها خدمتهم ومساعدتهم على قضاء احتياجاتهم وتلبية مطالبهم المادية، والجانب الآخر والذي لا يقل أهمية عن ذلك هو الجانب الاجتماعي والنفسي؛ حيث يشعر الإنسان بالحاجة إلى من يقف إلى جانبه ويحدثه ويخفف عنه من آلامه، وأن لا يشعر كبير السن بالوحدة التي ستؤثر سلبيا على نفسيته وبالتالي على صحته الجسدية”.
ولذلك لا بد من تواصل الأبناء مع الآباء، بحسب سرحان، بشكل مستمر وعدم الانقطاع عنهم سواء بالزيارات أو من خلال استضافتهم في بيوتهم.
ومن أكثر الأمور خطورة، في رأي سرحان، ترك الآباء في منزل مستقل، خصوصا في الفترة التي يجدون فيها صعوبة في القيام بواجباتهم في فترة الشيخوخة والعجز، موضحا أن الإسلام حث على بر الوالدين والعناية بهما، وكذلك الاهتمام بكبار السن، ومن الضروري تربية الأبناء منذ الصغر على الاهتمام بأجدادهم وتلبية مطالبهم حتى يكونوا عونا لهم عند الكبر، وهذه مسؤولية الذكور والإناث معا.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock