أفكار ومواقف

غياب الثقة

حين يؤشر كثيرون على غياب الثقة بين المواطن والمؤسسة الرسمية، فهم لا يتحدثون من فراغ، بل بسبب واقع الحال، الذي نراه في كل شيء، فالثقة غائبة بكل ما تعنيه الكلمة.
ملفات الفساد التي بقيت معلقة، هي احد أوجه الازمة، فيما الملفات التي تدور حولها الشبهات تثير الجدل أكثر، بسبب عدم اقتناع الأردنيين بالتفسيرات الرسمية، او بسبب تأخرها، او غياب الشفافية، او اكتشاف معلومات حول بعض هذه الملفات بشكل متأخر.
ملف الطاقة في الأردن وحده قصة كبيرة، فشلت كل الحكومات المتتالية في شرحه وشرح اسراره وتفاصيله، وما نزال حتى اليوم نسمع نقدا شعبيا، لأسعار الوقود من بنزين وديزل وغير ذلك، وعدم تصديق كل الروايات الرسمية حول سعر الوقود، مقارنة بدول أخرى، او حتى مبدأ الضرائب عليها، ولماذا يعاني الناس بسبب هذا الملف، فوق الاشاعات التي تتدفق حول طريقة تسعير الوقود، ورفع سعره، او خفضه؟!..
اشتقاقا من ملف الطاقة، خذوا مثلا التصريحات الأخيرة حول استئجار باخرة منذ العام 2015 نظرا لانقطاع الغاز المصري، وان مدة عقد الاستئجار عشرة أعوام تنتهي بمنتصف العام 2025، وكلفة الايجار سنويا، خمسة وخمسون مليون دولار، أي ان قيمة العقد تتجاوز النصف مليار دولار، والباخرة التي تمتلكها شركة نرويجية، تخزن الغاز المسال، وتحمل كمية تكفي لأحد عشر يوما، في حال تقرر توليد الكهرباء من هذه الكمية، وهذا الملف أيضا أثار كلاما كثيرا، ولا تصدقوا ان واحدا في الأردن استوعب فكرة استئجار باخرة بأكثر من نصف مليار دولار، من اجل تخزين غاز مسال لتوليد الكهرباء .
من ذات الملف أيضا، اتفاقية الغاز الفلسطيني المنهوب من الاحتلال الإسرائيلي، والعقد الطويل من حيث مدته، ووجود شركات وسيطة، والشرط الجزائي الذي يصل الى اكثر من مليار ونصف مليار، وتربيط الأردن باتفاقية طويلة الأمد، ورهن الأردن لإسرائيل في هذه الحالة بما يعنيه ذلك على صعيد التحكم والسيطرة، ثم التساؤلات حول جدوى الاتفاقية، واخلاقية التعامل مع الاحتلال، وتحول كل بيت اردني الى بيت مطبع يدفع فاتورة الكهرباء التي تمول جيوب الاحتلال، هذا فوق الاتهامات الكثيرة المتعلقة بالشفافية وعدم وجود الاتفاقية حتى لدى رئيس الحكومة، وفقا لمنطوقه العلني؟!.
اليكم مديونية شركة الكهرباء التي تتجاوز خمسة مليارات دينار، وكل التصريحات الرسمية تحاول شرح سبب المديونية، لكن لا احد يصدق هذه التفسيرات، بل ان المواطنين يجزمون ان هناك شيئا ما غير واضح في كل هذه المديونية، وان الكلام المتكرر عنها، وعن خدمة الدين لهذه المديونية يراد عبرها التوطئة لرفع أسعار الكهرباء في توقيت لاحق، فلا ينجح الرسميون في شرح هذا الملف، والثقة الغائبة تمنع تصديق أي تفسير رسمي.
قبل أسابيع فقط، انفجرت قصة فواتير الكهرباء، ومن ذات ملف الكهرباء تم توليد ازمة شبهات كبرى، بسبب قيمة الفواتير المرتفعة، وضجت كل الأردن امام هذه الازمة، وانهمرت الاتهامات حول جباية المال، وتعمد الجهات الرسمية رفع الفواتير، وتنزلت الاتهامات، ما بين من يقول ان الذي لا يسرق الكهرباء يعوض قيمة استهلاك من يسرق، وصولا الى تفسيرات أخرى، دفعت الحكومة الى تشكيل لجنة للتحقيق، وهي لجنة يستحيل ان تأتي بجديد، فلا يمكن للمرء ان يدين نفسه.
زيدوا على ذلك اتفاقيات بالمليارات مع شركات اجنبية وداخلية لتوليد الكهرباء بطرق مختلفة، والشروط الجزائية المرعبة، وتعهد الحكومة بشراء الكميات المنتجة بسعر اعلى من السائد حاليا، وهذا سوف يسبب المزيد من المديونية، ولا نريد هنا ان ندخل بتفاصيل قد تكون صادمة، امام غياب نصوص الاتفاقيات، وتدني الشفافية، وهذا ملف لا بد من العودة اليه بتفاصيله في وقت لاحق.
هذا الملف حساس وخطير، وهو أسوأ من حيث تأثيره من ملفات الفساد الأشهر في الأردن، فلا تسألوا لماذا لا يصدقنا الناس، ولماذا يقفون مذهولين امام ما يجري؟!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock