أفكار ومواقف

غياب الرقابة على المدارس الخاصة

عندما وردني قبل أيام بروشور الإعلان عن فتح باب التسجيل للعام الدراسي القادم من المدرسة التي يدرس فيها ابني في الصف الرابع وهي أحدى المدارس الخاصة في عمان، استوقفتني مطولاً الشعارات الرنانة والأوسمة الرفيعة المطبوعة على البروشور.
تصدر البروشور الشعار الإعلاني (سلوجن) المدرسة: ” إيمان – علم – إبداع” ، وعلى رأسه برز شعار جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز والذي تحرص المدرسة على وضعه في ترويسة كافة مراسلاتها ووثائفها وهذا حقها كونها حائزة على الجائزة، وبالخط الأحمر العريض طبعت عبارة تقول: “لا زيادة على الرسوم لمن يسجل قبل نهاية الشهر القادم”.
ليس عيباً أن تقوم المدرسة بالتسويق لنفسها، لكن حشد كل هذه العبارات والأوسمة التي تتحدث عن التميز والإبداع يعطيني الحق في التساؤل والتفكير ملياً في مدى التطابق بين ما تحمله من معان وانطباعات وبين ممارسات المدرسة الفعلية لرعاية الإبداع والتحفيز على التميز، في الوقت الذي تهمل فيه المدرسة بدرجة كبيرة النشاطات الإبداعية اللامنهجية، وتلك التفاعلية الصفية واللاصفية المدعمة للمناهج، بل وتخالف أنظمة التربية والتعليم المتعلقة بهذا الأمر بأشكال مختلفة.
حصة التربية الفنية على سبيل المثال، وهي حصة مدرجة في مناهج وزارة التربية والتعليم والهدف المفترض من وجودها هو تنمية الذائقة الفنية لدى الطلبة وتطوير قدرات الموهوبين منهم، سقطت تماماً من جدول الحصص الأسبوعي منذ بداية العام الدراسي، وعند استفساري من مديرة المدرسة عن ذلك مؤخراً لم أجد لديها جواباً!
إضافة لذلك، لا تلتزم المدرسة بشكل جاد بتطبيق الآلية الموضوعة من وزارة التربية والتعليم بخصوص حصص النشاط الحر التي عمدت الوزارة على إضافتها منذ بداية العام الدراسي الحالي بواقع حصتين أسبوعيا، لطلبة المرحلة الأساسية في كافة مدارس المملكة، بحيث يتم توزيع الطلبة وفقاً لميولهم وقدراتهم على أحد المجالات الثقافية، الصحية، الموسيقية، الاجتماعية، الرياضية، المهنية، والفنية.
عدم جدية المدرسة بهذا الخصوص لم تتوقف فقط عند عدم اخضاع الطلبة لأي شكل من أشكال التقييم بغية فرزهم على المجالات المذكورة، وإنما امتدت إلى كون هاتين الحصتين ورغم ادراجهما ضمن جدول الحصص الأسبوعي يتم اشغالهما في العادة بممارسة نشاط تقليدي جداً ويكون في الغالب عبارة عن مشاهدة فيلم لا يجري حتى مناقشة محتواه بين الطلبة والمدرس المشرف بعد انتهائه.
اندهاشي من هذه الملاحظات دفعت بي إلى سؤال ابني عن تكرار قيامه وطلبة صفه بزيارة المكتبة المدرسية، لأفاجأ بأنه لم يزرها ولا مرة منذ بداية العام الدراسي، وبأنه لا يعرف حتى أين مكانها في المدرسة.
إن مثل هذه الملاحظات والتي قد تكون بعضاً من كل لم أطلع إلا على هذا الجزء منه تفتح الباب واسعاً للتساؤل عن آلية مراقبة وزارة التربية والتعليم للمدارس الخاصة للتأكد من التزامها بتعليمات وأنظمة الوزارة المتعلقة بتفصيلات ومجريات العملية التعليمية، وعن الهامش المتروك لإدارات تلك المدارس في الحياد عن تلك الأنظمة والتعليمات، وعن جدية الوزارة بالأساس للقيام بدورها في ذلك.
الجانب الآخر الذي يبعث على الدهشة، هو أن هذه المدرسة حاصلة كما أشرت على جائزة الملك عبد الله الثاني للتميز للقطاع الخاص مما يثير تساؤلات عن آلية تقييم فريق الجائزة لهذه المدارس وكيفية إقرار استحقاقها للجائزة في ظل وجود مثل هذه الاختلالات.
أسئلة كثيرة تبعث على القلق حول واقع العملية التعليمية في الأردن، وعن مدى سيطرة وزارة التربية والتعليم على المدارس الخاصة الآخذة بالازدياد من حيث العدد، وتعزف كل منها على الأوتار التي تحلو لها، دون وجود أسس تضبط رسومها بما يتناسب مع ما تقدمه للطلبة من قيمة إضافية عن ما يمكن تحصيله من الالتحاق بمدارس القطاع العام المستمر هو الآخر في التردي والخراب، وعن درجة الجدية لدى القائمين على هذا القطاع في أن تكون المرحلة الدراسية بحق مرحلة بناء واستثمار في أبنائنا الطلبة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock