أفكار ومواقف

“غيتو غزة”؛ لحساب من؟!

يشعر القادة العرب بقلق شديد إزاء قدوم الرئيس بوش إلى “إسرائيل” الشهر القادم لـ”الاحتفال” بالذكرى الستين لتأسيس هذا الكيان العنصري المحتل. مكمن القلق الرسمي العربي أنّ هذه الزيارة تأتي في ظل تعثّر مفاوضات التسوية بالتزامن مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع منسوب الاحباط والغضب في الشارع وتأزّم الأوضاع الداخلية.


وربما تمثل تصريحات عباس “آخر المتفائلين” بتحقيق تقدم “ما” على طريق التسوية، إنذاراً آخر أنّ العرب الذين قدّموا المبادرات والتنازلات والرسائل الودية العديدة لا يجدون إلاّ الإعراض والتجاهل والصدود الإسرائيلي والوعود الفارغة الأميركية. أمّا “التدخل الأميركي” المتوقع للضغط على إسرائيل فلن يحصل، بل ما تكشف عنه الوثائق أنّ هنالك ضوءا أخضر لاستمرار الاستيطان في الضفة الغربية.


من الواضح تماماً أنّ كل السيناريوهات والاستراتيجيات التي كان يجري التسويق لها في سياق التعامل مع التسوية السلمية والأزمة الفلسطينية تتساقط الواحدة تلو الأخرى، ابتداءً من سيناريو الانقلاب العسكري على حماس بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية، مروراً بمشروع “الضفة أولاً” بعد أحداث غزة، وصولاً إلى سياق “اجتماع انابوليس” وانتهاءً بما يسمى “اتفاقية الرف”. ولا يعجز من يتابع تصريحات مسؤولين ورسميين عرب أن يلحظ تهافت الرهانات على التسوية وعلى الدور الأميركي.


على الرغم من كل ذلك؛ لا يزال العرب والسلطة الفلسطينية يصرون على عزل حماس وحصارها، وتحويل غزة إلى “سجن كبير” لمليون ونصف المليون فلسطيني، وذلك تنفيذاً لاستراتيجية “النموذجين” (أي خلق كيان ليبرالي ومزدهر في الضفة، مقابل حصار “غزة حماس” للبرهنة على فشل خيار “الإسلام السياسي).


وفقاً لهذه الاستراتيجية، البائسة، يجري اليوم تجويع وحصار، بل وممارسة القتل البطيء، بحق الغزّيين، وتحويل غزة، كما وصف المندوب الليبي في الأمم المتحدة، إلى أشبه بـ”معسكرات النازية”.


لم تنتبه الحكومات العربية أنّ الانفجار المتوقع في غزة لن يكون داخلياً، وإنما سيتجه إلى مصر، أسوة بما حدث عند اقتحام “معبر رفح” من قبل آلاف الفلسطينيين، وساعتها ستجد الحكومة المصرية نفسها أمام حرج سياسي وأمني لا مثيل له يصب الزيت على نار الانفجار الداخلي.


ربما يستطيع البعض إدراك سبب “الإصرار” على استراتيجية “حصار حماس” (بعيداً عن كافة المضامين الإنسانية والأخلاقية التي لا تسمح بعقاب جماعي لذرائع سياسية واهية) إذا كانت هنالك مؤشرات قوية على مخرجات العملية التفاوضية، ورسائل على استعداد إسرائيلي لتقديم “التنازلات” التاريخية المطلوبة، كما قدّم الفلسطينيون كل “الضمانات” و”التنازلات”. لكن ما يجري هو على النقيض تماماً؛ حيث تراهن إسرائيل على تجذير “حالة الانقسام الفلسطيني” وإطالة أمده وصولاً إلى إضعاف شروط التسوية والتفاوض.


العرب يشاركون في حصار غزة بطرق مختلفة ومتنوعة، من خلال عزل حماس وإضعافها، أو إغلاق الحدود في وجه الفلسطينيين، أو الاستمرار في الرهان على نموذج “الكيانين”. إحدى الذرائع الرسمية العربية بأنّ حماس تمثل امتداداً للمحور الإيراني- السوري. فليكن؛ لكن حماس دُفعت إلى ذلك المحور، في ظل الموقف العربي السلبي منها هذا من ناحية, من ناحية أخرى- من الخطأ الاستراتيجي القاتل أن نرسم سياساتنا وفق منطق المحاور بينما إسرائيل تُمعن في إذلال الفلسطينيين والاستنكاف عن المضي في مسار السلام، وتجد ضوءاً أخضر أميركياً في كل ذلك.


آن الآوان أن ينهي العرب استراتيجية حصار غزة وعزل حماس، بخاصة أنّ المؤشرات جميعها تؤكد أن لا سلام في الشهور القريبة القادمة.


والبديل هو استراتيجية “احتواء حماس” وتوحيد الصف الفلسطيني بإشراف عربي، وهو أمر ممكن إذا توافرت الإرادة العربية الحقيقية لذلك، من خلال إحياء اتفاق مكة وتفعيله.


أمّا عملية “شراء الوقت” والمماطلة بالاعتراف بالوصول إلى “الحائط” في مسار التسوية، فهي عملياً “إضاعة” للوقت لا كسبا له، وتوفير كافة الذرائع لإسرائيل لقتل الفلسطينيين وتجويعهم من ناحية، والاستمرار في سرطان الاستيطان الذي ينهش في الحقوق الفلسطينية.


m.aburumman@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل من مجيب؟
    أتمنى من الحكومة الأردنية القيام بمبادرة احتضان الصف الفلسطيني على أرضها

  2. اكيد لن ينجح
    ارى انه لن يكون هناك اتفاق بين فتح وحماس ، لان برنامج المقاومة لن يلتقي مع برنامج المفواضات.

  3. ما السبب اذا؟!
    لا شك انه مقال موضوعي و يتحدث بمنطق كامل و نظرة شاملة.
    لكنه يزيد الموضوع حيرة!! ما السبب اذا لحصار غزة و عزل حماس؟

    هل ترى ان السبب يتلخص بما ذكرت من انه : (خلق كيان ليبرالي ومزدهر في الضفة، مقابل حصار "غزة حماس" للبرهنة على فشل خيار "الإسلام السياسي)؟

    ام ان العرب عاجزون حتى عن اتخاذ قرار "سيادي" بكسر الحصار عن غزة و حماس و فتح الحدود؟

  4. المحور الايراني – السوري
    الاخ محمد، ارجو منك توضيح ارتباط حركة حماس بالمحور الايراني – السوري ومدى استفادة حماس من هذا المحور ، الذي نسمعه دائما . وما هي اشكال ارتباط حماس بهذا المحور

  5. أين الرحمة و الانسانية ولا أقول ( أين النخوة)..!
    نعم سيد (أبو رمان) فالعرب يشاركون بالحصار بشكل مباشر .. والله انه لأمر مخز .. ومعيب و مذل .. ان يموت طفل و شيخ في رفح لشح الدواء .. وعلى بعد 100 متر منه يراه شقيقه المصري-الذي يمسك بعلبة الدواء بيده- ولا ينتفض ليسحق الحاجز الحديدي الاستعماري !! لقد ولى زمان كان فيه العرب يسيرون الجيوش لنصرة امرأة مسلمة في اقاسي الارض .. فهل غدت -الحدود!!- المصرية مع غزة مقدسة و تكسر في سبيلها (أقدام) و أيادي ؟؟!!وهل هانت صرخات الاطفال و المرضى و النساء على العرب؟؟!! نعم فلتحيا الحدود و لتحيا الحواجز العربية و لتذهب حماس و من رضي بها و ليذهب الشعب الفلسطيني و ليذهب أطفال غزة و لتذهب غزة الى الموت و الجحيم و الحصار و الدمار ..!! وليحيى الامن القومي العربي و لتحيى الحدود العربية المقدسة ..!!!

  6. غزه
    الاخ محمد شكرا لك على مقالك ، لقد وضعت الاصبع على الجرح النازف من اجساد ابناء القطاع الصامد رغم كل انواع القتل والدمار والحصار ، نعم حصار غزه وبكل اسف عربيا اكثر منه صهيونيا واميركيا ، وبكل اسف ونحن نعض على الجرح النازف كان الاردن الرسمي اول من اعلن مقاطعة حماس الفائزه في انتخابات حره الاولى من نوعها في العالم العربي مع اننا لا ننسى الانتخابات الكويتيه ، وبكل اسف اتاحت الاتفاقات الموقعه مع العدو الى تحكم هذا العدو بكل الامور العربيه، فالجسور على نهرنا الغالي تغلق بقرار اسرائيلي وتفتح بقرار اسرائيلي ، والمعابر في قطاعنا الصامد تفتح بقرار اسرائيلي وتغلق بقرار اسرئيلي وبكل اسف يطلق وزير خارجية مصر تصريحات بكسر ارجل الفلسطينين اذا تجاوزا الحدود ، بنما لم يقطع يد القوتا الاميركيه والاسرائيليه التي قتلت ابرياء مصريين ، وبكل اسف العرب كل العرب من المحيط الى الخليج ينظرون الى اهل السنه يقتلون في غزه دون تحريك ساكن .
    اخي واخوتنا في الاردن ومصر وسوريا ولبنان ودول المغارب الى متى ستبقى محاصرة غزه الى متى يقتل ابناء الضفه ، الى متى والى متى ، امن اجل حل واهي امن من اجل فقط بقاء دولة العدوان ، اخوتنا ديننا الحنيف دعانا ان ننصر اخانا ظالما او مظلوما ، فدعونا ننصره وهو مظلوم ، ولتسقط كل الاتفاقيات وكل الحلول الفارغه ولنعد العده لتحرير فلسطين كل فلسطين ارض الاسراء والمعراج ارض مولد ابو الانبياء الخليل واب العرب سيدنا اسماعيل ، اليس لفلسطين حقا علينا امة الاسلام.

  7. اتفق معك
    اتفق معك استاذ محمد ان حصار غزة هو عربي، و ان العرب بذلك يرتكبون حماقة كبرى حين يحاصرون بني قومهم على نحو غير انساني و غير اخلاقي ناهيك عن روابط العروبة والاسلام.

    يمكن للدول العربية ان تحتضن حماس و ان تصل معها الى توافقالا تتوقف فائدتها على الشعب الفلسطيني .. بل تشمل الشعوب والحكومات العربية .. وتضيف شيئا من الالفة والتضامن بين التيارات الاسلامية والوطنية والقومية وبين الانظمة.

    شكرا لك مرة اخرى.

  8. تعقيب على الأخ ابراهيم
    اخي العزيز ابراهيم،
    ارتباط حماس مع محور طهران- دمشق ليس بحاجة إلى مؤشرات أو دلائل.
    ومن المعروف أن دمشق لا تستضيف السياسيين مجانا، إنما هنالك كلفة وثمن تدفع من خلال الضغوط والابتزاز والاختراق الأمني.
    الأسباب التي دفعت حماس إلى محور طهران معروفة وواضحةفأولاً حماس وجدت صدودا وعداء رسميا عريبا في المقابل هنالك توافق مع إيران وسورية على معاداة المشروع الأميركي في المنطقة، ولو من خلال الخطب والشعارات.

    بلا شك هنالك مزايا كثيرة تظى بها حماس من هذا التحالف في مقدمتهاالدعم المالي والفني والعسكري واللوجستي..الخ.
    لكن بتقديري هنالك كلفة كبيرة لذلك في مقدمتها – كما ذكرت سابقا- الاختراق والضغوط وإضعاف استقلالية القرار الحماسي بل وتجييره.
    الأهم من ذلك أن طهران ودمشق تستخدم معاداة أميركا وإسرائيل كشعارات جوفاء تخاطب بها غرائز الشعوب، لكن في الحقيقة فهذه الدول سرعان ما تبيع المقاومة والأرض وتتخلي عن الكثير من الأوراق أو تبدلها، إذا ما عقدت صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية، كما حصل في أفغانستان والعراق، وما يزال يحصل.
    بتقديري مهما كانت الخلافات بين حماس والسعودية ومصر فهذه الدول تشكل العمق الاستراتيجي الحقيقي لها، وعلى الحركة ألا تبحر بعيدا

  9. الموازنات …والسفريات
    ما صرف على الزيارات لامريكا وغيرها ما المعنيين بالسلام تفوق عبر سنوات قليله المليارات !!
    فمثلا المياومات التي حصل عليها احد اركان المفاوضات الفلسطينيه اكثر من مئه وخمسون الف دولار خلال احدى الزيارات لامريكا (لاسبوعين تقريبا)..
    اتخيل زيارات الوفود العربيه معهم خلال عشر سنوات!!!

    واشكرك استاذ ابو رمان على تجلياتك بالمقال…وموضوعيتك

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock