فكر وأديان

فأما اليتيم فلا تقهر

د.أحمد ياسين القرالة

شاركت الأسبوع الماضي على إحدى الإذاعات الأردنية في حملة للتبرع لقرى الأطفال SOS، وقد استغربت جداً من بعض الخلاف الذي يدور حول جواز جمع التبرعات لهذه المؤسسات التي ترعى الأطفال فاقدي السند الأسري وتتولى تقديم الدعم المادي والنفسي لهم، بحجة أن هذه مؤسسات أجنبية، والتبرع لمثلها يؤدي إلى تشجيع ظاهرة الأطفال مجهولي النسب ويزيد من عددهم.
وأنا أعتقد أن هذا الكلام غير دقيق؛ لأننا الأولى برعاية هؤلاء الأطفال وحفظ كرامتهم وصيانة إنسانيتهم التي أمر بها ديننا الكريم، فهم أبناؤنا ابتداءً وانتهاءً، وعلينا أن نشكر وأن نتعاون مع كلِّ من يسعى لمساعدتهم وتخفيف معاناتهم التي لا ذنب لهم فيها ولم يكونوا شركاء في صناعتها، وإنما هم ضحايا جرائم مركبة وثمرة مرَّة لتصرفات آثمة، وقد قلنا في أكثر من مرة أنه لا يجوز تحميل هؤلاء الأطفال وزرَ ذنب لم يقترفوه وتحميلهم إثمَ ذنب لم يفعلوه، فهذا مجافٍ للعدالة الإلهية ويتناقض مع صريح نصوص الدِّين وأقوال علمائه.
ولما كانت الأسرة ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية نظراً لطفولة الإنسان الطويلة وللخدمات العظيمة التي تقدمها لأفرادها، فإنَّ حرمان هؤلاء الأطفال منها يعقد مشكلتهم ويضاعف من معاناتهم، ويحولهم إلى مواطنين غير أسوياء ناقمين على المجتمع والدولة؛ لذا كان توفير الأسر البديلة لهم هو الوسيلة الممكنة التي تعوضهم عن شيء من حنان الأسرة وتمدهم ببعض من خدماتها وتوفر لهم شيئاً من احتياجاتهم، فكانت قرى الأطفال هي التي تولت هذه المهمة وإيجاد البديل.
إنه مما لا شك فيه لديَّ أن رعاية هؤلاء الأطفال والتبرع لهم لتوفير الحياة الكريمة التي تليق بكرامتهم الإنسانية وتصون لهم آدميتهم، قربةٌ إلى الله تعالى وصدقة جارية لمن قام بها؛ لقوله تعالى” ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا “، وقوله تعالى:” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ” وقوله تعالى:” كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ” وهؤلاء الأطفال داخلون في عموم لفظ اليتيم بل هم أسوأ حالاً وأشدُّ معاناة وأكثر بؤساً منه؛ لأن اليتيم فقد أباه ولكنه لم يفقد الدعم الأسري والسند المالي من أنسبائه وأقاربه، أما هؤلاء فلا نسب لهم ولا قرابة، واليتيم قد يكون مالكاً للمال وهؤلاء لا مال لهم؛ لذا فهم أولى بالرعاية والعناية من اليتيم وأشدُّ احتياجاً منه.
مَن يستقرئ النصوص الشرعية يجدها تدعو إلى الرحمة، ليس بالإنسان وحده بل بكل ما فيه روح؛ فقد سأل الصحابةُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام: فقالوا يا رسول الله وإنَّ لنا في هذه البهائم لأجراً، فقال: في كلِّ كبد رطبة أجر، وفي الحديث دخلت امرأة النارَ في هرة؛ لأنها عذبتها، ودخلت امرأة بغي (زانية) الجنةَ في كلب؛ لسقايتها له، فكيف إذا كانت الصدقة والمعروف للإنسان الذي أكرمه الله تعالى وجعل هذا الوجودَ بما فيه لخدمته ومنفعته؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock