أفكار ومواقف

فاجعة لبنان… دروس مستفادة

حجم الفاجعة وغصة الألم المتدفقة وصوت الخوف والدهشة في حادثة انفجار مرفأ بيروت قد يكون منبعه الأساسي أن ما حدث كان وليد -وحسب الروايات الغالبة- أهمال وفساد نسجته اياد هي من قلب الوطن وأبنائه. فهذه المأساة لو كانت بفعل خارجي بحت لربما وجدت النفوس اللبنانية عزاء ولو نسبيا أن ما حل كان لأمر لا حول لهم فيه ولا قوة. ولكن كانت الفاجعة وكانت المسؤولية في أقسى صورها تحوم حول المؤتمنين على الوطن ، والمؤتمنين على البحر والسماء وعلى أحلام الناس وحقوقهم.
مرفأ بيروت، بالغيمة التي انطلقت من بين جنباته صعودا إلى السماء ونزولا الى الأرض مرة أخرى لتخلف ما خلفته من جرحى وقتلى واضرار مادية تفوق الخيال وما بين ذلك وذاك ما خلفته من أحلام وآمال تناثرت كما تناثر أصحابها، ذلك كله يجب أن لا يمر دون الخروج بدروس مستفادة، عل وعسى أن يتعلم الجميع منها حتى لا يتكرر المشهد في أي مكان وبأي صورة أخرى، قد يكون أبرزها:
أولا: الفساد آفة الشعوب وعدوها الأكبر، خاصة الفساد الإداري الذي قد يكون أعتى وآثاره الممتدة أشد وطأة من الفساد المالي. والفساد عندما يمتد وينتشر ويصبح القاعدة العامة والاستثناء هو الحكم الصالح والرشيد، فإن نتائجه ستطال الجميع دون تمييز، بما في ذلك من ساهم أو غض الطرف عنه أو تورط شخصيا فيه؛ فالعواقب الكارثية لا تستثن أحدا ولا تمنح امتيازا خاصا لمن ساهم في إخراجها إلى حيز الوجود.
ثانيا: الحق في الحصول على المعلومات هو الأداة الرئيسة للرقابة الشعبية ولاعمال أركان الحكم الصالح من شفافية ومساءلة ومحاسبة. والعلاقة طردية بين انتشار الفساد وتفشيه وبين غياب المعلومات، فكلما غابت المعلومة أو غيبت وصل الفساد إلى ذروته. لذا يبدو وجود قانون لضمان حق الأفراد في الحصول على المعلومات منسجما ومتوافقا والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وإنفاذه على أرض الواقع عاملا أساسيا في الوقاية من أية نتائج كارثية قد يسببها التكتم وعدم معرفة الجمهور بقضايا تعد من قضايا الشأن العام.
ثالثا: في سياق الحق في الحصول على المعلومات وكالتزام ناتج عن هذا الحق فإن عملية الإفصاح الاستباقي ووجود نصوص قانونية تلزم سلطات الدولة بالافصاح عن المعلومات كافة التي تهم الشأن العام ودون طلب من الأفراد يعد مطلبا أساسيا لتفادي إشكاليات عميقة في المستقبل، وذلك حتى تتمكن الإدارة العامة من ممارسة رقابتها الشعبية على ما يحدث وما قد ينتج عنه. ان وجود نص يلزم السلطات بالافصاح الاستباقي عن المعلومات يعني بالضرورة خضوعها للمساءلة والمحاسبة إذا امتنعت عن ذلك او تجاهلت الأمر.
رابعا: قيم المواطنة هي الأساس القوي الذي يقوم عليه بناء الدولة، ودولة تقوم على ولاءات فرعية وفردية ستبقى المصالح الشخصية الضيقة هي المحرك والمسير الرئيس لها ، فتغيب المصلحة العامة ولا يجد مبدأ سيادة القانون من يحميه ويدافع عن وجوده الدستوري الاصيل، ويغدو الأفراد منساقين نحو تحقيق أهدافهم الخاصة بدون النظر إلى الوسيلة المستخدمة بعيدا عن رؤية الوطن الأكبر فيصبح الجميع خاسرا في نهاية المطاف.
كثيرة هي الدروس المستفادة من تجارب الأمم والشعوب وآخرها ما حدث في لبنان الشقيق وعلى مرفأ أحلام الشعب، ولكن ولأن الأمل صنيعة الشعوب منذ الأزل، فإن النظر الى الأحداث واستخلاص الدروس المستفادة وتطبيقها وعدم تكرار الأخطاء هو الباب نحو صناعة ثقافة الأمل ونحو صناعة الأوطان التي لا تفنى بحادثة أو بأخرى بل تعيد إنتاج ذاتها لأجيال تنتظرها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
52 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock