محافظاتمعان

فارس “القدم الهدّارة” يرحل ويبقى الدويّ

حسين كريشان

معان- لم يأت احتفاء فيروز بـخبطة القدم “الهدارة” عبثا، لأن سفيرة النجوم كانت تعرف جيدا معنى ذلك الدويّ الصادر عنها عندما تحمل فوقها إنسانا لا يتوقف احتفاؤه بوطنه عند حدود الهوية والرقم الوطني، بل يحمل في تكوينه تصميما على توثيق دمغة تحفر عميقا في تراب الوطن، ولأنها كذلك من حقنا أن نرثي اليوم صاحب “القدم الهدّارة” الذي يعرفه الأردن من نهره المقدس إلى جباله الشمّاء، عبد الرحمن الخطيب أو “أبو خالد المعاني”، أحد أعمدة مؤسسي فرقة معان للفنون الشعبية التي دمغت الدمغة الأولى معلنة عن انطلاقتها العام 1981.
ولا غرو أن يحظى أبو خالد (69 عاما) بكل هذا الحب والشهرة الواسعة في الأردن باعتباره أيقونة تراثية لم يكن يمر أي عرس وطني من دونه وهو على رأس فرقته المحلّاة بالأردنية العربية الأصيلة، وأشمغتها الحمراء، وبلغة الدبكة التي تتضمن الكثير من التعابير التي لا يدرك عمق معناها غير المنغمسين بحب الوطن حدّ النخاع.
كان “أبو خالد” إلى جانب زملائه في فرقة معان خير سفراء للتراث الأردني الأصيل الذي جاب فضاء العالم العربي والدولي، فأمتع الجميع سنوات طويلة بفنه وحبه لعمله، حتى أصبح هوية أردنية معروفة على مستوى العالم.
ليست لحظة حزن عابرة تلك التي خيمت على مسقط رأسه في مدينة معان، بفقدانها إحدى هاماتها الشامخة، بل خسر تراثنا أحد فرسانه الذي صارع الأهوال وواجه أشد التحديات، ليصوغ  مع رفاق دربه فرقة معان التي اشتهرت باسم المؤسس “أبو خالد المعاني”، بوصفها نجمة يُعرف بها الأردن من بعيد.
بدأ أبو خالد مسيرة حياته موظفا في سكة حديد العقبة، وكان من الذين أفنوا زهرة شبابهم في سبيل إدخال البهجة إلى النفوس المثقلة بالهموم، عندما كان في مقتبل حياته يشارك في إحياء سهرات الأفراح الشعبية بمناسبات الأعراس وغيرها في معان وغيرها من محافظات المملكة، خصوصا في الأحياء المعانية التي تقطن خارج المدينة، قبل أن يقوم بتأسيس فرقة معان للفنون الشعبية.  
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، نجحت فرقة معان في إحداث نهضة فنية نقلت الدبكة والسحجة المعانية من فنون تقتصر على المعانيين في الأعراس، إلى فنون ودبكات تتنوع تشكيلاتها وألحانها وأساليب أدائها، فلمع صيتها وتم إدراجها في معظم برامج المهرجانات الفنية والمناسبات الوطنية وأنشطة التبادل الثقافي التي شارك فيها الأردن بلدان العالم.
ولم يتوقف الإبداع عند حدود الفن بل شكل أبو خالد الخطيب بخفة دمه ورشاقة روحه وتحركاته وهو يضرب الأرض بثقة وعنفوان، تأكيدا على الانتماء لهذا الوطن وهوية إنسانه الحضارية، وظل كذلك حتى أعياه التعب والمرض، فكان حالة فريدة في الأداء الفلكلوري نقلت معان والأردن وطافت بهما أصقاع العالم.
ولأبي خالد من خفة الظل وطيبة النفس ووداعة المعشر ما لا تستوعبه كلمات، خصوصاً بعد أن اتخذت فرقة معان للفنون الشعبية اسم فرقة “أبو خالد المعاني” لتجعلها ماركة جودة مسجلة وبهجة متنقلة وكاريزما طاغية.
ربما ترجل أبو خالد وألقى بسيفه وبندقيته التراثية (الألماني) اللذين لوح بهما سنوات طويلة، حبا واحتفاء بالوطن وترابه الطهور وقيادته الهاشمية، غير أن ما يبقى من هذا الفارس أكثر بكثير مما ذهب.
بعينين تموران بالأسى يوضح ابنه خالد عبدالرحمن الخطيب أن والده كان عزيز النفس، أحبه الناس وأحبهم لبساطته وطيب معشره ونقاء سريرته، ولم تفارق البسمة محياه دائما، ولم يستغل محبة الناس أو المسؤولين في خدمة أهدافه الشخصية، بل كان همه الدائم هو الوطن والمشاركة في المناسبات الوطنية، كما تخرج على يديه من الفرقة أجيال من الفنانين الشعبيين، وزار ثلاثة أرباع دول العالم حاملا أمانة الثقافة والهوية التراثية الأردنية حيثما حل.
“كان رائدا من رواد الفن التراثي الملتزم”، يقول أبرز أصدقائه المقربين محمد أبو العز، ويتمتع برشاقة ممتزجة بالزهو والفهم العميق للوجدان الأردني، وها هو يرحل عن الدنيا بعد أن اعياه التنقل والوقوف المتواصل في مقدمة الفرقة التي شارك في تأسيسها وقاد رحلتها لما يزيد على ثلاثة عقود.
كما يشير أبو العز إلى أن هذه الشخصية المعانية الأصيلة جمعت مزايا وصفات عدة أهمها الثبات على المبدأ وحب الخير دائما، وهو يمثل الإنسان الأردني الأصيل البسيط الذي ما زال يحتفظ بنمط حياته التقليدية ويعايشها بشكل دائم.
يذكر أن فرقة معان للفنون الشعبية نشأت على يد مجموعة من شباب معان لتحمل على عاتقها نشر روائع الماضي المجيد من تراث عزيز، فكانت القوة الممزوجة بالأصالة المتجذرة بالانتماء، لنقل أفكار إبداعية اتخذها الأجداد عنوانا لأفراحهم مقرونة بحركات إبداعية إيقاعية متناسقة تؤدي غرضا يعكس الصورة الشفافة لما يجول في خواطر أبناء معان، فكانت صورة حية لروائع تستمد منها الآن هذه الفرقة الأصالة مع مواكبة المعاصرة.
وأدت الفرقة الدبكات الشعبية المعانية والأغاني التراثية، مع تجديد مقيد بالأصالة والمحافظة اللتين تعكسان الرؤية الحقيقية لتراث أغر مجيد، وتوشحت بالثوب الأبيض الذي يدل على النقاء والرجولة، والكوفية الحمراء كعنوان للعنفوان والتميز الأردني، و”المجاند” الحمراء التي تعكس صورة الصحراء الأردنية الأخاذة، فكان كل ذلك يجتمع في البساطة التي رغب فيها الأجداد لتكون زيا تراثيا لهم.
تتعدد في معان المدينة والرمز العريق الشموس التي ترفض الغياب، مهما كان الحزن بالغا، فهي أولى مدن الثورة العربية الكبرى، وهي مدينة النخبة من الرموز الحية في الوجدان ومنهم بالطبع عبدالرحمن الخطيب “أبو خالد المعاني” الذي حمله فجر الجمعة الماضية إلى بارئه إثر وعكة صحية ألمت به.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock