فكر وأديان

“فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره”

د. محمد المجالي

اقتضت حكمته تعالى وسنته المطردة أن يكون التدافع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وما القصص القرآني إلا تأكيد لهذا، فمعظم القصص القرآني يحكي صراع الحق والباطل، أحيانا بتفاصيل وأحيانا باختصار، كي يقف قارئ القرآن على التاريخ كله، ويستشعر مكانه في تاريخ الأمم، وأنه إحدى حلقات هذا التاريخ، وما هو إلا عمر الإنسان طال أم قصر، وبعدها تنقضي إقامته المؤقتة في هذه الدنيا، ليرحل إلى الدار الباقية، ويجد ما قدم في دنياه ليحاسب بناء عليه، فسرد القصص نأخذ منه العبرة، ونقوم بناء عليه أفكارنا، ومن دروس القصص أن الظلم لا يدوم، وأن الباطل لجلج زاهق يذهب جُفاءً، وأن الحق أبلج مستقر ماكث، وأن الحق قديم، وأن الأيام دُول، وأنه لا يبقى شيء على حاله، وأن مع العسر يسرا.
ومن الحقائق التي ذكرها القرآن رغبة كثير من أهل الكتاب أن يردونا من بعد إيماننا كفارا، قال تعالى: “وَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَنَ لَهُمُ الْحَقُ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَى يَأْتِيَ اللَهُ بِأَمْرِهِ إِنَ اللَهَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، والآية صريحة في ذلك، ويمكن تقسيم محتواها إلى خمسة أمور:
الأول هو دقة القرآن في الوصف، فليس هذا ديدن كل أهل الكتاب، بل بعضهم، خاصة من ينطلق من أفكار منظمة يخطط ويدرس الحالة ويتذمر من امتداد هذا الدين، فيغيظهم هذا إلى حد بعيد، ورد في بعض كتب التفسير أنهم قَالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَارِ بْنِ يَاسِرٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى الْحَقِ مَا هُزِمْتُمْ فَارْجِعَا إِلَى دِينِنَا فَنَحْنُ أَهْدَى سَبِيلًا مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عَمَارٌ: كَيْفَ نَقْضُ الْعَهْدِ فِيكُمْ؟ قالوا: شديدا، قَالَ: فَإِنِي قَدْ عَاهَدْتُ أَنْ لَا أَكْفُرَ بِمُحَمَدٍ صَلَى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ مَا عِشْتُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: أَمَا هَذَا فَقَدَ صَبَأَ، وَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَا أَنَا فَقَدَ رضيت بالله تعالى رَبًا وَبِمُحَمَدٍ نَبِيًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا، ثُمَ أَتَيَا رَسُولَ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ: “قَدْ أَصَبْتُمَا الْخَيْرَ وَأَفْلَحْتُمَا”، فَأَنْزَلَ اللَهُ تَعَالَى الآية، ولن أقف عند سبب النزول، ولكنني أعمم المسألة إلى زماننا هذا، وما التخويف من الإسلام (Islamophobia) إلا واحد من مناهج هؤلاء في الصد عن الإسلام وتشويه صورته.
أما الثاني، فهو هذه الرغبة وطبيعتها، سواء كانت ظاهرة أم باطنة، حيث تمني هؤلاء أن يرتد المسلمون إلى دينهم السابق، إلى الشرك وعبادة الأصنام، أو الديانة اليهودية، إذ بعض اليهود أسلم وكان من علماء الإسلام، كعبد الله بن سلام رضي الله عنه.
أما الثالث فهو السبب وراء هذه الرغبة، فهو الحسد الذي ملأ قلوبهم، بعد أن رأوا انتشار هذا الدين وتمكنه ودخول الناس فيه، وكان اليهود على وجه الخصوص يتوقعون الرسول الذي بشرت به كتبهم منهم، ولذلك سكنوا الحجاز أرض النخيل، فكتبهم تدل على مبعث نبي في أرض نخيل، ولما كان النبي من غيرهم، حسدوا العرب المسلمين على ذلك، والحسد داء عظيم خطير، قال الشاعر: (كل العداوة قد تُرجى سلامتها… إلا عداوة من عاداك عن حسد)، وهو مرض قاتل لصاحبه، وهو أول ذنب عُرِف، حين حسد إبليسُ آدمَ، وقاده هذا الحسد إلى الكبر، وكلاهما من أعظم الذنوب عند الله تعالى.
أما الرابع فهو الأمر بالعفو والصفح إلى أن يقضي اللهُ أمرا كان مفعولا، فهم بهذا التصرف وهذه المشاعر السلبية والموقف العدائي للحق ابتداء لا بد مهزومون مدحورون، ولو بعد حين، فليعف هؤلاء ويصفحوا، ويأخذوا بالأسباب، فلا يمكن أن يستقر الباطل أو يطول عهده.
أما الخامس، فهو فاصلة الآية، حيث الدلالة على قدرة الله تعالى المطلقة، فهو على كل شيء قدير، ومن ضمن ذلك أن يأتي الله بأمره، وأمره هنا نصر المؤمنين، وقد كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث سياق الآية، وكان في كل عهد تراجع فيه المسلمون ثم صححوا المسار وانتصروا، وسيكون هذا مع واقع المسلمين لا محالة، حين يغير المسلمون ما بأنفسهم، وحين ينصروا منهج الله تعالى.
وللعلم، فهناك نصوص قرآنية أخرى تؤيد محتوى هذه الآية، منها قوله تعالى: “لتُبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور”، فهي حقائق ثابتة في هذه المدافعة، وحين يعرضها الله ويأمرنا بالصبر والعفو فليس معناه الركون إلى الأمل دون عمل، بل لا بد من الأخذ بأسباب العزة، وفي الوقت نفسه تكون عندنا تلك الرحابة من العفو والصفح مع التقوى التي تجلب مدد الله ونصره.
لقد بذل الحاسدون لهذا الدين جهودا كبيرة استطاعوا من خلالها تشويه صورة الإسلام، بل إقناع بعض المسلمين فعلا بالرجوع عن الدين، أو تعليق معتنقه، فلا هو مسلم فعلا ولا هو غير مسلم، وتجتاح بعضَ المجتمعات مسألةُ الإلحاد والرغبة بالخروج عن إطار الدين بأي شكل من الأشكال، والواجب الانتباه والوعي الفردي والأسري والمجتمعي، وحري بأصحاب الحق أن يتحركوا ويبذلوا ويضحوا، حين نعرف أن أولئك يبذلون ويخططون ويمكرون، فنحن أحق بالحركة والتخطيط، وصدق الله: “ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock