أفكار ومواقف

فايز الطراونة: رحيل من كان “في خدمة العهدين”

خالد دلال

لم يكن ليستكين للصعاب مهما تعاظمت، فهو المؤمن بالقدرة على اجتراح الحلول في أحلك الأوقات، حتى لقب بـ”رجل المهام الصعبة”، لتكون الحكمة بوصلته في كل ما قدم من أعمال جليلة في خدمة وطنه وقيادته، تجسيدا لقول الله تعالى: “وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”.

عمل بقوة وبعين بصيرة نافذة في إدارة ملفات سياسية واقتصادية غاية في الأهمية، ومنها مصيرية في تاريخ الوطن، مخلصا لا يحيد عن نداء الواجب كلما استدعى الأمر وتعالت الخطوب، حتى حظي بثقة القيادة في أصعب الظروف، وهذا وسام فخر على صدر كل من كان مقداما في اتخاذ القرار والذود عن مصالح الوطن.

جاء كتابه “في خدمة العهدين” شهادة صدق في حب الوطن وقيادته، ليكون مرجعا للأجيال في تجربة إنسان عاصر ما عاصر من أحداث مصيرية. لم يكن مبتغاه فيما قدم، بصفاء النوايا وقوة الأفعال، إلا الصالح العام.

تلقاه فيبتسم في وجهك، لأن الابتسامة، وكما علمنا، مفتاح الاتفاق، فكان بذلك بعيدا عن الخصومات السياسية وغيرها قدر المستطاع، علما أن مثله يحسد من أقرانه في معظم الأحوال، منتهجا سياسة الهدوء في الحوار، والاتزان في القول، والعقلانية في الطرح وصولا إلى الوفاق ما أمكن.

تعلمنا منه أن لا معضلة بلا حل إذا ما أمعنا النظر فيما هو بين أيدينا من إمكانات وتصرفنا وفق ما هو ممكن، آخذا دوما عوامل التاريخ في الحسبان، فكان بذلك مؤمنا بقدرة الأردن على الصمود والنجاح والتقدم “إن عملنا جميعا بيد واحدة صادقة، وبالتفافنا في مختلف الظروف حول قيادتنا الهاشمية”. وهذه من كلماته الخالدة.

آمن أن للمرء رسالة في الحياة يؤديها بضمير حي مسؤول حتى آخر اللحظات، على أن النجاح، وكما تعلمنا منه، “نسبي، لأن المطلق لله وحده”. وهذا من جميل القول وأعظمه.

كان من الحافظين لآيات الذكر الحكيم، حيث كان يرى في القرآن الكريم “مصدر سكينة وراحة”، حتى أنه كان يفاجئ المرء بقدرته على تفسير الآيات لبيان عظمة الخالق سبحانه، ومنها تكراره لقول الله تعالى: “لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ”.

هو من المحبين بطبيعته للشعر العربي، والحافظين للكثير من أبياته، ومنها ولعه بلامية العرب للشاعر الجاهلي الشنفرى، ذلك، وكما كان يقول، “لجزالة ألفاظها، وعظيم معانيها في النفس”.

كانت الفلسفة تستهويه، متحدثا دوما، في هذا المجال، عن أن إدراك الإنسان لسبب وجوده في الحياة هو أساس انطلاقه بأفعاله، صغرت أم كبرت، “على أن النوايا هي الأساس، وإن صلحت صلح ما بعدها”.

لهذا كله وغيره الكثير، فإن رحيل قامة وطنية، بحجم من كان لي معلما، لها مرارة في النفس ليس من السهل زوالها، ليأتي تكريم جلالة الملك عبدالله الثاني له بالمشاركة في تشييع جنازته إلى مثواه الأخير في الأضرحة الملكية كمن يضع البلسم الطيب على الجرح الأليم، تقديرا من القيادة لأحد رجالات الدولة المخلصين، الذي ظل حتى رمقه الأخير مسكونا بحب وطنه ومليكه.

واللافت أن الجنازة جمعت من رجالات الدولة من كان يتفق مع فكر الراحل ومن كان يعارضه، وهذا بحد ذاته دليل على احترام من كان نهجه في الحياة احترام الناس وتواضعه لهم، وهو درس تعلمه، وكما كان يردد في حياته، “في مدرسة الهاشميين”.

رحم الله روحا تسامت لتعلم أن الحق في مصلحة الوطن وقيادته وشعبه، فحق له طيب الذكر في حياته ومماته. ولنا من بعده الصبر والسلوان.

المقال السابق للكاتب

تكافل الجميع في مواجهة ارتفاع الأسعار

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock