أفكار ومواقف

فتاة في الثلاثين

 


سيكون بعد شهر عيد ميلادها. أدركتُ ذلك مبكرا، ولكي أثبت لها عافية ذاكرتي، هاتفتها مبتهجا أنني أول من يذكرها أنها، بعد شهر من الآن، ستدخل العقد الثالث!


ولا بدَّ أنني اكتشفتُ، بأثر تلك المكالمة، كم أنا عديم الخبرة في التعامل مع الفتيات، وأنه يتوجَّب أن أخوض تجارب نسائية، لا تقل عن مجموع قبيلة منهن، حتى إذا ما أردتُ الحديث عن العمر، في العقد الثالث تحديدا، أخطئ عامدا في الحساب.. فأحذف أربع سنوات، وأخرى أتجاهلها (وأقول مجاملا: وجهكِ الطفولي يقاوم الزمن) ما يضطرني أن أخبئ أمر السنتين المتبقيتن، اللتين لن أجد لهما منفذا يبررهما، حتى أقول، بلا أي اندهاش، حين أعلمُ أن اليوم عيد ميلادها: العشرون..!!


لكنني، على أي حال عرفتُ ذلك متأخرا، وبعد تلك المكالمة المشؤومة التي لم تكن، لحسن الحظ، الأخيرة مع الفتاة التي تتهيأ منذ عشر سنوات للدخول إلى العقد الثالث. وهذا أمر جديد اكتشفته، وأوضح لي أن خبرتي في النساء لا تقل سطحية عن معرفتي بشعب الإكوادور!


قالت في المكالمة الأولى، بعد أن “بشرتها” بالنبأ الذي ظننته سعيدا:


– الذين يحتفلون بعيد ميلادهم مجانين (ضحكتُ عندها وظننتُ أنها تمهِّدُ لدعابة؛ فروحها خفيفة)، فهم لا يدرون أنهم يبتهجون لنقصان حياتهم عاما..


ارتبكتُ. وقلتُ كلمتين بلا معنى، لم تكترث لهما وتابعتْ:


– لكن الأكثر حمقا أن يحتفل الإنسان بدخوله الثلاثين (ارتجفتُ فأنا أيضا على أعتاب الثلاثين)، وهو لا يدري أن عمره قد انتصف، ويبدأ العد العكسي في كل “ميلاد”..


وهنا كان الندم قد أكلني لمبادرتي الغبية. وأردتُ أن أنهي المكالمة سريعا، إلا أنها استدركتْ من جديد:


– .. والأشد حمقا منْ يهنئ فتاة بعيدها الثلاثين!


– شكرا (قلتها منزعجا، وكان ذلك أقصى ما يُمكن من خلاله أن أعبِّر عن غضبي، من دون أن أستفز غضبها الحقيقي!).


مرّت أيام قليلة. لم نلتق، وكثيرا ما كنا نلتقي، ولم نتهاتف رغم أن بيننا “ثرثرة على النيل” اللاسلكي. ولم يطل انتظاري فقد رن الهاتف أخيرا. بدت أنها نسيت الأمر برمته، وقبل أن تنهي المكالمة سألتني أين يمكنني أن أجد ثلاثية أحلام مستغانمي.


وفي المساء أرسلت لي رسالة عبر الهاتف: “إننا لا نعيش حياتنا الحقيقية إلا بعد الخامسة والعشرين أو الثلاثين من العمر”. وأكتشفُ حين أهاتفها لمعرفة سر العبارة، أنها اجتزأتها من رواية مستغانمي الثالثة “فوضى الحواس”!


لم أجرؤ أن أجادلها في العبارة، لكنني فرحتُ لأنها راحت تزجي فكرة الثلاثين(التي بتُّ أعاني منها بأثر المكالمة المشؤومة)، بيد أنها أربكتني عندما راحت تتحدث معي صباحا، وفي وقت مبكر، عن أغنية “في يوم وليلة” لوردة الجزائرية، وللأغنية دلالة سيئة لديْ، بل إن أغنيات السيدة وردة، من وجهة نظري التي أحتفظ بها لنفسي، سحابة واطئة تحمل الفتيات إلى عوالم غير واقعية؛ فكيف لامرأة أن تشتاق لرجل “من غير ما اشوفك وتشوفني”!!


وتأكدتُ من حدس داهمني أياما متتالية، فقد أخبرتني أن موقعا إلكترونيا أرسل لها (من دون سابق معرفة!!) صور رجال محترمين (لا آخر لهم كما ظننا لزمن أنه نور الشريف) وتريد مني أن أساعدها في إضافة أكبرهم إلى قائمتها؛ ذلك الذي عرفته واشتاقته قبل أن تراه!


يقتلني الندم؛ كيف فتحتُ عليها وعلى نفسي أبواب الثلاثين؛ كنا نعيش في الحياة، والآن نبحث عنها..


بعد شهر هاتفتها:


– اليوم عيد ميلادكِ .. (العشرون)!!


وضحكتْ. (.. وتلزمني خبرة مع قبيلة من النساء لأعرف ماذا كانت تعني ضحكتها!).


[email protected]

تعليق واحد

  1. العقد الثالث
    اعتقدان الكاتب اخطأ حين كتب عبارة "ستدخل العقد الثالث" ليقصد بداية دخول سن الثلاثين، لأن دخول الثلاثين يعني دخول العقد الرابع.

  2. ان كيد هن عظيم
    ان كيدهن عظيم
    شكرا استاذ نادر على هذه المقالة الرائعة
    اذا انت لا تعرف النساء في الدنيا ممكن تعرف في الاخرة اقصد يوم الحسان
    اعانك الله على فهم هذا الجنس الذي لا نستطيع التخلى عنه ولا انكاره ولا الابتعاد عنه
    لانه مثل الشمس اذا ابتعدت عنه بردت واذا اقتربت اليه كثيرا احترقت
    والله المستعان
    محمد

  3. درب الأعمار
    يا عزيزي نادر: الخبره التي تلزمنا جميعا هي التصالح مع طبيعتنا الانسانيه الهشه حيث الرغبهالدائمه في التشبث بالصبا والجمال وهي مسأله نشترك بها جميعا وليست حكرا على النساء، و غالبا ما يقوم الرجال كذلك بمحاولات يائسه كي لا نقول مضحكه للتحايل على استحقاقات التقدم في العمر اما نجمة مقالتك الصبيه الثلاثينيه اللطيفه ذات الروح الخفيفه فعليها ان لا تستمع لهذربات ورده الجزائريه في هذا الشان وان تستمتع بكل لحظه من هذه المرحله العمريه البديعه لأن الآتي اعظم وأكثر احداثا للصدمه ولن يتمكن اي منا من الاختباء من درب الاعمار بحسب مقترح السيده فيروز في رأئعتها يا داره دوري فينا ، شكرا على مقاله شفافه تشبه روحك الطفله يسعد صباحك ّّ

  4. العمر
    هناك تميزعنصري حتى بالعمربينالرجل والمراة فهي يجبان تحافظ على جمالها الخارجي الى اخر لحطة من العمربينما الرجل بكرشه الكبير وصلعته البهيةووجهه الي رسم الزمن شوارغ ومفارق فيه صار اكثرنضجاوفهماوكانه كتب على المراة ان تبقى اقل فهماونضجامن المهدالى اللحدتعاني من قول حقيقة عمرهامقال حرك معانتنا مع الزمن لكن الانسان قادر على تخطي الزمان والمكان بالعقل والمنطق السليم مقالك استفز الرغبة للكلام اعجبني كثيرا 🙂

  5. سنين العمر
    تحياتي للكاتب
    مسألة العمر عند النساء شيء معقد جدا حيث ان معظم النساء لا يبحن بالعمر الحقيقي لهن ويختبئن وراء سن معين ولا يتجاوزنه مع ان سنين العمر تظهر على وجوهنا دون ان تستأذن منا.
    وحقيقة ان العمر ليس بسنوات عشناها وانما ماهو منجز في حياتنا فكيف لي انا من تعديت او جاوزت الاربعين وقاربت ان اصبح جده ان اخفي علامات ظهرت على وجهي وقواي الجسديه واقول انني مازلت في الثلاثين من عمري.
    لكل منا وجهة نظره واعتقد ان العمر شيء نسبي يقاس بمدى الانجاز.

  6. الشباب هو الشعور وليس عدد السنوات
    المرأه تبقى تحس بالشباب مهما تقدم بها العمر.تظل مرهفة الاحساس تنعشها كلمه حلوة وتجدد شبابها.وتبقى مبتهجه ومتفائله.ولايلزمك الكثير من الفهم لتخرج اجمل ما في المرأه وهو فقط احترام احاسيسها.ولكن مجتمعنا اللذي احيانا من دافع الاحترام المبالغ فيه يجعل المرأه تحس بالكهوله قبل اوانها.
    فبدلا من كلمة " خالتي" التي يصدمها بها التاجر او اي شاب قد تتعامل معه للأي سبب,لم لا نستعمل كلمة " سيدتي" التي تحمل الاحترام دون اي اذى معنوي.انا الان في الاربعينات من العمر ولكني لا ازال احس بنفس الحيوية التي كنت احسها في كل مراحل عمري السابقه.

  7. العمر قصير
    اذا على ستين او سبعين سنة بسيطة , الواحد منا بيفكر انه العمر طويل وهو ما بيعرف متى رح يموت , بس لو اجينا حسبناها حساب رياضي رح نلاقي انه يوم القيامة مقداره 50 الف سنة , يعني غلط لو أسفنا على يوم او يومين او سنة او عشر سنوات من العمر , عمر الانسان قصير بكل المقاييس , بس المهم نعمل من اجل اليوم العظيم , يوم القيامة

  8. لا فرق
    أن تكون في العقد الثالث أوالرابع لا فرق المهم ماذا انجزت خلالها.أبلغ من العمر السادسة والاربعين وخير انجازاتي ثلاثة اولاد أتنفس بهم …أطرب لسماع كلمة ماما منهم…وزوج رائع بكل ما في الكلمة من معنى…وصدقا أعتبره ولدي الرابع…وقرآن أحفظ منه ما تيسر….ودعاء لا ينقطع بالهداية لأسرتي الصغيرة بالعدد..الكبيرة بالمضمون…وصدقوني لا زلت أتعلم من الحياة الكثير.

  9. من 5 أيام صرت 30 .. و عادي مبسوطة
    للعلم .. فوضى الحواس هي الجزء الثاني للثلاثية 🙂

  10. انا سعيدة لاني اكبر !!!!
    كوني فتاة ، فاني اشعر بالسعادة حينما اكبر فاننب عندما أكبر طموحاتي وآمالي سيقترب موعد تحقيقها ، ولكل زمن له زهوره …

    والفتاه العشرينية لا تختلف عن الفتاة الثلاثينية من حيث النشاط والحيوية ربما الاختلاف في الجمال والخبرة في الحياة …

  11. انا بحب اقرا بس اخبار العالم العربي شو ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    اناعارفه حياتنا غريبه

  12. العمر وهم من وقع في منطق الارقام
    الثلاثون او اي رقم أخر لا معنى له من العمر هو ان تصنع احداثك وتتمتع بكل تفاصيلك
    هناك مفهوم خاطىء للاحساس بالزمن الحقيقة ان الروح لا تشيخ والقلب لا يخضع لتقويم البشر
    أمرأة متصالحة مع نفسها امرأة ربيعة بكل العمر
    رائع نادر

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock