فكر وأديان

فتاوى رمضان

د. أحمد ياسين القرالة

شهر رمضان من المواسم الروحية التي ينتظرها الناس وتهفو إليها قلوب المؤمنين للسمو الروحي والتعالي على متطلبات الجسد وكسر الشهوات وإعادة بناء العلاقة مع الله عز وجل.
وتكثر في هذا الشهر أسئلة الصائمين، خاصة المرضى منهم ومن يحتاجون لإجراءات أو تدخلات طبية، ولا بد في هذا المقام من تأكيد جملة من الأمور المتعلقة بكيفية الفتوى في هذه الحالات:
إن الطبيب وحده هو القادر على تشخيص حالة المريض الصحية، وهو وحده صاحب الرأي الفني والعلمي في تحديد مدى قدرة مريضه على الصيام، وهو المؤهل للتنبؤ بالآثار الصحية المترتبة على الصيام والإفطار؛ لذلك يعد الطبيب المفتي بالنسبة لمريضه، ومَن أفتاه طبيبه بالإفطار، يكون دخلاً في عموم قوله تعالى “ولا حرج عليه في الإفطار والامتناع عن الصيام”، ولا ينبغي للمريض مخالفة رأي طبيبه والخروج على استشارته.
مجتمعنا الأردني غير متمذهب، وبالتالي فإن الاعتماد على مذهب معين في الإفتاء له يلحق بالمجتمع الحرج والمشقة، وفي مقدمتهم أصحاب الأعراض، وعليه فإن البحث عن الأرفق والأيسر هو الذي ينبغي اعتماده في الفتوى لذوي الأعذار الخاصة.
إن الاعتماد على أقوال السابقين في تفسيرهم للمفطرات غير المنصوص عليها ومن ذلك تفسير الجوف الذي يحصل الإفطار بدخول شيء فيه، فهذا قد يؤدي إلى اعتبار كثير من الإجراءات والتداخلات الطبية كالفحص المهبلي والتنظير السفلي وغيرها، مفطرة مع أنها لا تخل بركن الصيام، ولا تتعارض مع حكمته ومقاصده.
إن المقصد الأسنى من الصيام هو تحقيق التقوى لله تعالى، وذلك باستعلاء الإنسان على شهواته وملذاته التي هي السبب الأول في عصيان الإنسان وطغيانه، فكان الصيام بالامتناع عن الطعام والشراب والشهوات هو وسيلة تهذيب النفس وحملها على مقتضى الشرع، لذلك فإن كل ما يخل بهذه الأمر يعد من المفطرات إذا كان مما يتغذى أو يتقوى به، وما عدا ذلك فإنه لا يكون مفطراً، لذلك وجدنا الحنفية ينصون على أن بلع الحصى لا يفطر لأنه ليس مما يتغذى به عادة، وهذا تفكير سليم وسديد.
التشدد في تفسير المفطرات والتغافل عن مقاصد الشارع في تشريعه للصيام قد يحرم الكثير من الناس من فضيلة الصوم واغتنام الشهر الفضيل للتقرب إلى الله تعالى، أو يحملهم على تأجيل علاجهم وتأخير التدخل الطبي إلى ما بعد رمضان، وهذا قد يترتب على استفحال الحالة المرضية وتعقدها، ويجعل المريض يتحمل المزيد من الألم والمعاناة.
إن المقصود الأسمى من الصيام هو تهذيب الإنسان وكسر إرادة الشر في نفسه وتعزيز إرادة الخير والفضيلة في نفسه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock