ترجمات

فتوى إيران المرنة: كيف ترسم “النفعية” معالم صنع القرار النووي

مايكل آيزنشتات*؛ ومهدي خلجي**– (معهد واشنطن) 4/2/2021

تتصدر الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قبل عدة سنوات، والتي تحظر الأسلحة النووية، العناوين الرئيسية مجدداً. والدرس الرئيسي الذي يمكن تعلمه من الفتوى النووية هو أن قرارات الأمن القومي لطهران تسترشد بالمصالح وليس بالأيديولوجية، وأن التقدم في المفاوضات ممكن إذا تم تأطيرها من حيث مبدأ “مصلحة النظام”، الذي ينصب اهتمامه الأساسي على بقاء هيكل السلطة.
* * *
تعود الفتوى التي أصدرها قبل عدة سنوات المرشد الأعلى، علي خامنئي والتي تحظر الأسلحة النووية، لتتصدر العناوين الرئيسية مجدداً. فلطالما زعم النظام وداعموه، ومن بينهم المتحدث النووي السابق حسين موسويان، أن الفتوى دائمة، وتم الاستشهاد بها كدليل على أن الدين يحظر على إيران امتلاك مثل هذه الأسلحة. ولكن، في مقابلة أجراها معه في 30 كانون الثاني (يناير) تلفزيون “الميادين”، صرّح الدبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي بأن “أي فتوى ليست دائمة، وفقاً للفقه الشيعي الجعفري. فالفتوى تصدر حسب تطور الظروف. ولذلك، أعتقد أنه إذا تصرف الأميركيون والصهاينة بشكل خطير، فقد يتم تغيير الفتوى”. ويؤكد تصريحه على أن التعاليم الدينية لا تملي قرارات الأمن القومي في طهران، بل إن مبدأ “مصلحة النظام”، الذي ينصب اهتمامه الأساسي على بقاء هيكل السلطة بعد الثورة، هو المسؤول عن ذلك.
وليس موسوي مجرد دبلوماسي سابق، فهو أيضاً ضابط برتبة عميد في “الحرس الثوري الإسلامي”. وأثناء شغله منصب الملحق الثقافي الإيراني في السفارة الإيرانية في الجزائر بين 2015 و2018، تم إعلانه شخصا غير مرغوب فيه لنشره دعاية شيعية طائفية. وهو الآن يدير “مركز الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية” –وهو مركز أبحاث تابع للحرس الثوري الإيراني مقره طهران.
ما الذي حفز الفتوى ولماذا هي قابلة للتغيير؟
كانت المرة الأولى حين أصدر المرشد الأعلى فتوى نووية شفهية في العام 2003، ثم كررها في عدة خطابات منذ ذلك الحين. ولهذه التصريحات التي تستخدم المصطلح الديني “حرام” لوصف الأسلحة النووية نفس الأساس القانوني مثل الفتاوى المكتوبة.
وقد اختلفت الصيغ المحددة المستخدمة في هذه التصريحات. ففي بعض الأحيان، حظر خامنئي بشكل قاطع تطوير وتخزين واستخدام الأسلحة النووية. وفي مناسبات أخرى، بدا أنه سمح ضمنياً بتطويرها وتخزينها، لكنه لم يسمح باستخدامها. وفي حديثه إلى مجموعة من كبار العلماء في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، قال: “على الرغم من أنه كان بإمكاننا السير في هذا الطريق (لإنتاج الأسلحة النووية)، قررنا العدول عنه… استناداً إلى فتوى ديننا الإسلامي؛ من الخطأ صنعها، ومن الخطأ تخزينها لأن استخدامها محظور”.
تجدر ملاحظة أن كلاً من الفتوى الأولية والجهود الإيرانية المبكرة لتسليط الضوء عليها جاءت بعد فترة ليست طويلة من اكتشاف برنامج النظام السري للتخصيب النووي والإفصاح العلني عنه في العام 2002. وبالتالي، يجب اعتبار هذه الجهود، جزئياً على الأقل، بمثابة الحد من الأضرار. وجرى استخدام الفتوى لأغراض أخرى أيضاً، منها:
إضفاء الشرعية على البرنامج النووي كنشاط سلمي بحت من خلال التبرير الديني.
تفادي الانتقادات المحلية المحتملة للتقدم البطيء للبرنامج، والانتكاسات العديدة التي مُني بها، وقرار النظام تجنب أي تجاوز للعتبة النووية بسرعة.
مساعدة النظام على الترويج للإسلام الثوري باعتباره نظاماً مساوياً للشرعية الدولية إلى جانب القانون الدولي، كما ظهر من خلال مقترحات قُدّمت فيال عام 2013 لترسيخ الفتوى في قرار للأمم المتحدة
وعلاوةً على ذلك، فإن الفتاوى ليست ثابتة –حيث يمكن تغييرها وفقاً للظروف. وقد غيّر مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، موقفه وأصدر فتاوى متناقضة حول عدد من القضايا، من بينها الضرائب، والتجنيد العسكري، وحق المرأة في التصويت، وشرعية النظام الملكي للشاه. وبالمثل، يمكن للمرشد الأعلى علي خامنئي أن يعكس فتواه النووية إذا رأى ذلك ضرورياً. واعترافاً بهذه الحقيقة، اقترح بعض المسؤولين الإيرانيين السابقين أن يمرّر البرلمان تشريعاً يقر قانون الفتوى النووية من أجل الحفاظ على قيمتها كإجراء لبناء الثقة مع الغرب.
والسبب في إمكانية عكس الفتاوى الإيرانية هو أن مبدأ “مصلحة النظام” هو الذي يوجه صياغة السياسة في الجمهورية الإسلامية. وقبل وفاته، حكم الخميني أنه يحق للنظام تدمير مسجد أو تعليق التقيّد بالتعاليم الإسلامية إذا كانت مصالحه تملي ذلك، وأن دستور الجمهورية الإسلامية يمنح المرشد الأعلى السلطة المطلقة لتحديد تلك المصالح. ولذلك يمكنه إلغاء القوانين، أو إبطال قرارات الهيئات التداولية المختلفة، بما في ذلك البرلمان و”مجلس صيانة الدستور”، و”مجمع تشخيص مصلحة النظام”.
كما أن لدى المتحدثين باسم النظام عادة تقديم تفسيرات ملائمة عندما يتعلق الأمر بالفتاوى والسياسة الخارجية. وعلى سبيل المثال، عندما أدت فتوى أصدرها الخميني في العام 1989 ودعا فيها إلى موت الكاتب سلمان رشدي، إلى إثارة أزمة في العلاقات مع أوروبا، حاول مسؤولو وزارة الخارجية الإيرانية التقليل من أهميتها، زاعمين أن الفتوى تعكس الرأي الشخصي للمرشد الأعلى وليست ملزمة رسمياً. وفيما يتعلق بالفتوى النووية لخامنئي، حاول مسؤولو وزارة الخارجية الإيرانية مراراً إقناع المجتمع الدولي بأنها حكم ديني ملزم، وأنها ستمنع البلاد من الحصول على القنبلة -على الأقل إلى أن جاء تصريح موسوي الشهر الماضي، والذي زعم فيه أن الفتوى لن تمنع ذلك.
يثير تاريخ فتوى إيران بشأن الأسلحة الكيميائية أسئلة إضافية. فخلال الحرب العراقية-الإيرانية، أفادت بعض التقارير أن الخميني أصدر فتوى بشأن الأسلحة الكيميائية، لكنّ من غير الواضح ما إذا كان قد حظّ تطويرها وإنتاجها، أم استخدامها فقط. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان قد تم تعديل المرسوم في النهاية في ظل تصاعد الحرب الكيماوية العراقية. ومهما كان الأمر، فإن الفتوى لم تمنع إيران من إنتاج أعداد صغيرة من قذائف الهاون والمدفعية والقنابل الجوية المملوءة بالأسلحة الكيماوية، ونقل بعض تلك الذخائر إلى ليبيا في العام 1987، واستخدام بعضها ضد القوات العراقية في نهاية الحرب. وعلى الرغم من انضمام إيران إلى “اتفاقية الأسلحة الكيميائية” بعد الحرب -وأفادت بعض التقارير إنها دمرت قدرتها على إنتاج الأسلحة الكيماوية في غضون ذلك- إلا أن الحكومة الأميركية ما تزال تعتقد أن النظام الإيراني يسعى إلى شراء مواد صيدلانية (ربما فينتانيل)، لأغراض هجومية. وبالتالي، إذا كانت فتوى إيران حول الأسلحة الكيميائية لا تمنعها من الحصول على الأسلحة الكيميائية واستخدامها لاحقاً، فمن المنطقي أن يتم التشكيك في إمكانية أن تؤدي الفتوى النووية إلى منع طهران من حيازة الأسلحة النووية واستخدامها إذا كان ذلك يصب في مصلحة النظام.
التداعيات على المفاوضات
لا ينبغي أن يكون اعتراف موسوي الصريح في قناة “الميادين” التلفزيونية مفاجأة، بالنظر إلى المعلومات الوفيرة المتاحة حول جهود البحث والتطوير في مجال الأسلحة النووية الإيرانية، كما هو موثق في تقارير مختلفة للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي الأرشيف النووي الإيراني السري الذي استولت عليه المخابرات الإسرائيلية ونقلته سراً من البلاد في العام 2018. ومع ذلك، فإن الأهمية الكبرى لملاحظاته -التي تأتي في الوقت الذي تنضج فيه إمكانية إجراء مفاوضات مع إدارة أميركية جديدة- قد تكمن في التأكيد على الكيفية التي ستقود بها المصالح، وليس الأيديولوجية، عملية صنع القرار في إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي وصواريخها وأنشطتها في المنطقة.
في السابق، أدى مبدأ “مصلحة النظام” إلى تأجيل إيران طموحاتها النووية وتعليق البرنامج مؤقتاً في مناسبتين على الأقل: في العامين 2003 و2015. وجاء القرار الأول عقب الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، بينما جاء القرار الثاني على الرغم من مزاعم طهران السابقة بأنها لن تتفاوض أبداً وهي تحت العقوبات. وهكذا، يتمثل التحدي في إيجاد المزيج المناسب من الضغوط والمحفزات من أجل إقناع إيران بأن من مصلحة النظام تمديد “خطة العمل الشاملة المشتركة” وتقويتها وتوسيعها، وتجنّب تجاوز العتبة النووية في الوقت نفسه.
وتعني هذه المرونة أن مواقف طهران التفاوضية وخطوطها الحمراء ليست مقدّسة إذا كان تجاوزها سيعزز مصالح النظام. وبالفعل، تراجع وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، مسبقاً عن إصراره على اتخاذ الولايات المتحدة الخطوة الأولى من أجل العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، متحدثاً بدلاً من ذلك عن سبل لـ”تزامن” أو “تصميم” عودة الولايات المتحدة.
ويعني ذلك أيضاً أن دَوْر الإيمان والثقة في التوصل إلى اتفاق مبالغ فيه إلى حدّ كبير، برغم تشديد الدبلوماسيين الإيرانيين دائماً على أهميته. ولا يمكن للدبلوماسية أن تنجح إلا عندما تخلص طهران -في أعقاب تقييم غير عاطفي وموضوعي- إلى أن أي اتفاق جديد أو سلسلة من الاتفاقيات ستدعم مصالحها. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يعني ذلك أن طهران ستلتزم باتفاق جديد فقط طالما كان يتوافق مع مصالحها. ولذلك، من الضروري أن يجد المجتمع الدولي إطار عمل لا يسهّل التوصل إلى اتفاق جديد فحسب، بل ويجعله مستداماً لسنوات عديدة قادمة أيضاً.
*مايكل آيزنشتات: زميل “كاهن” ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.
**مهدي خلجي: زميل “ليبيتسكي فاميلي” في المعهد، وصحفي إيراني وعالم لاهوت سابق درس في قم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock