أفكار ومواقف

فجوات في التخطيط لرأس المال البشري

يذهب هدرا كل ما يبذل في بناء رأس المال البشري إذا كانت نسبة كبرى وغالبة من الكفاءات والمواهب تهاجر أو تنتقل للعمل في الخارج، ولا تعوض التحويلات المالية التي يرسلها العاملون في الخارج إلا جزءا قليلا من الخسائر، وفي ذلك فإن أول وأهم ما يجب أن نفكر فيه هو تطوير سوق العمل لتستوعب الكفاءات والطاقات الإنتاجية وتراكمها، فالإبداع هو محصلة تراكم الأعمال والأجيال في الأعمال والأسواق ثم استيعاب هذا التراكم في مشروعات وأسواق وفرص جديدة وإضافية، ويجب أن يتحول هذا الإبداع الذي يمكن ملاحظته في الإضافة والتجديد للموارد إلى تراكم جديد، .. هكذا في حلقات متصلة ومستمرة، فالإبداع لا يظل كذلك؛ ليس إبداعا إلا في لحظة تشكله، ثم يتحول فورا إلى منجز ينضم الى عمليات التراكم والاستيعاب لينشأ إبداع جديد،..
نحتاج إلى معرفة وتتبع لمصير ومسار الكفاءات العلمية المتفوقة على مدى السنين والعقود، لنعرف ونتساءل لماذا لا تواصل تقدمها، أو لماذا تهاجر؟ ولماذا أيضا استطاعت أن تحافظ على لياقتها وكفاءتها واستمرارها في العطاء والعمل، ونحتاج إلى بناء مؤشرات وقواعد معلومات حول رأس المال البشري تقدم بوضوح المسارات المفترضة للتخطيط والمراجعة، ويمكن أن نتساءل ببساطة ما مصير أبناء القرى والعمال والفلاحين والفقراء الذين تلقوا تعليما في المدارس والجامعات؟ هل انعكست الفرص الخاصة التي منحت للـ”أقل حظا” على المجتمعات الأقل حظا؟ وهل تبدو الأجيال الحاضرة في مستوى من المعيشة أفضل من الأجيال السابقة؟ وهل انعكست المهارات والمعارف التي اكتسبها خريجو المدارس والجامعات والدورات التدريبية إيجابيا على حياتهم وحياة مجتمعاتهم؟ وفي مستوى آخر من التقييم والمراجعة يمكن أن ننشئ مشهدين معرفيين؛ لننظر في واقع ومسار ومصير المتفوقين في الثانوية وفي الجامعات على مدى العقود والسنين، وننظر أيضا في خريطة النخبة القائمة من الوزراء والنواب والأعيان والمدراء وقادة الشركات والمجتمعات والنقابات وما نسبة المتفوقين في دراستهم بالنسبة للنخبة القائمة؟ ولننظر في الفرص التي قدمت في الابتعاث والتدريب والتقدم المهني والوظيفي وما نسبة المتفوقين والمبدعين والموهوبين من أصحابها؟ هكذا ببساطة يمكن أن نفهم مسار التخطيط لرأس المال البشري وفي أي اتجاه يسير!
وبالطبع فإن فهم المعوقات الأكثر أهمية أمر ضروري لتحديد الأولويات عبر مختلف مجالات السياسة، والخطوة الأولى كما يقترح البنك الدولي هي تحسين جودة البيانات الإدارية الأساسية في التعليم والصحة. لكن البيانات الأساسية التي تقدمها دائرة الاحصاءات والمؤسسات المعنية في حاجة أن تدخل في مراحل أخرى من التصنيع والإنتاج، وأن تخضع لعمليات تحليل دؤوبة ومتواصلة لتتحول إلى مؤشرات وأفكار ومراجعات عملية وواضحة، وبالطبع فإن الكثير من النتائج والأفكار على قدر من الوضوح والتوقع، لكنها ولسوء الحظ لا تشغل الا بقدر ضئيل المشتغلين بالعمل العام والشباب المنخرطين في الاحتجاج والشعور بالظلم؛ كما لا تشغل الحكومة والسياسيين؛ على الأقل في ما يظهر في وسائل الإعلام وشبكات التواصل، وإذا لم يتقدم المشتغلون بالعمل العام في الحكومة والمنظمات السياسية والاجتماعية خطوات جديدة في بناء القيم والأفكار التي تشغل الفضاء العام وتؤثر في التأييد والمعارضة والانتخاب وتخطيط الموازنات والبرامج والإنفاق العام؛ فإن الإصلاح يظل أفكارا ومشاعر غير عملية وغير واضحة، ويمكن التلاعب بها وتحريفها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock