تحليل إقتصادي

فجوه الآمال الكبيرة: ما هي الحاجة إلى تدقيق الحسابات؟

ترجمة: ينال أبو زينة

تتم ملاحظة مدققي الحسابات فقط عندما تسوء الأمور؛ ففي الأسبوع الماضي أثار أعضاء البرلمان البريطاني هجوماً لاذعاً على شركة تدقيق الحسابات “كيه بي إم جي”، لفشلها في تجنيب “كاريليون” الانهيار، وهي شركة تعاقد.
وتبحث سلطات جنوب أفريقيا في تدقيق “ديلويت” الحسابي في “شتاينهوف”، وهي شركة بيع بالتجزئة.
ويمكن أن تواجه “بي دبليو سي”، وهي شركة تدقيق حسابات أخرى، حكماً بالتعويض عن أضرار بمئات ملايين الدولارات لعدم تمكنها من اكتشاف الاحتيال في بنك “كولونيال”، وهو مقرض أميركي أثبت فشله. وهي تحارب أيضاً دعوى قضائية بـ3 مليارات دولار في أوكرانيا وحظراً من عامين في الهند.
ويوقظ المستثمرون مدققي الحسابات بدورهم أيضاً. وهم تقريباً لم يصوتوا مطلقاً ضد الخيار الإداري لمدقق الحسابات.
ولكن، في الشهر الماضي، صوت أكثر من ثلث المساهمين في “جينيرال إلكتريتك”، وهي تكتل صناعي، ضد إعادة تعيين “كيه بي إم جي”. ويقاضي المستثمرون في “شتاينوف” الشركة و”ديلويت” بسبب خسائر من 5 مليارات دولار.
وتتحدى هذه الإجراءات صناعة تهيمن عليها أربع شركات كبرى: وهي “ديلويت” و”إي واي” و”كيه بي إم جي” و”بي دبيليو سي”. وقد جنت هذه الشركات مجتمعة 47 مليار دولار من تدقيق حسابات شركات العالم الكبرى في العام 2017، و87 مليار دولار أكثر من بيع الاستشارات والمشروات الضريبية.
وقد حاولت الجهات التنظيمية زيادة التنافس وتحديد تضارب المصالح ولكن مدققي الحسابات يقولون إن هناك مشكلة أخرى يتم تجاهلها هنا: وهي أن صناع القرار والمستثمرين والمحاكم تختلف حول ما يجب على مدقق الحسابات أن يفعله.
وهم يخشون أنهم يشاهدون على أنهم يوفرون الضمان ضد فشل الشركة. ويمكن المدفوعات الكبيرة المتكررة إلى تآكل الجودة، بحسب قولهم، وتهدد حتى قدرة الشركات الكبيرة على البقاء.
ولطالما قادت فضائح الشركات التطورات في التدقيق الحسابي. وقد اعتاد المستثمرون، حتى منتصف القرن العشرين، مراجعة الدفاتر بأنفسهم، متحققين من أن المدراء لا يبددون رؤوس أموالهم.
 وبعد موجة من الاحتيال المحاسبي خلال الهوس بالسكك الحديد في بريطانيا، تحول البريطانيون إلى المحاسبين الخبراء للقيام بهذه المهمة.
وقاد انهيار أسواق الأسهم في العام 1929 القوانين تشترط تدقيق الحسابات على الشركات المدرجة في أميركا. وقد أسقطت الفضائح في الألفين “إنرون” و”وورلدكوم” ومدققة حسابتهما شركة “آرثر آندرسون”.
وقاد ذلك إلى إقرار مزيد من القوانين التي تحمي موضوعية مراجعي الحسابات، والتي تأتي تحت ضغط بسبب المنافسة المحدودة، ولأنهم يتقاضون أموالهم من الشركات التي يدققون حساباتها، أكثر من المستثمرين الذين يخدمونهم.
وقد حققت القوانين الأكثر صرامة بعض النجاح: فقد أصبحت مقاييس جودة التدقيق تتحسن.
ولكن كما تظهر “كاريليون”، فيمكن للأمور أن تسير بشكل أسوأ وقد دعا أعضاء البرلمان البريطاني الساخطون إلى إجراء استعراض للمنافسة من أجل النظر في إذا ما كانت شركات بريطانيا الأربع الكبرى يجب أن تُفصل عن بعضها البعض.
وتستعد الشركات للمتاعب ولكنها تقول أيضاً أنها لا تستطيع دائماً أن تسير الأمور بشكل صحيح ويعتقد الناس أنه من شأن مدققي الحسابات أن يبحثوا عن عمليات الاحتيال ومواضع الفشل، بحسب آندرو غامبل من جمعية المحاسبين القانونيين المعتمدين، وهي جهة تجارية.
ولكن المعايير المهنية اليوم تحدد دوراً أكثر محدودية ويعطي مدققو الحسابات رأيهم حول إذا ما كانت الحسابات تعبير “حقيقي وعادل” عن الواقع؛ وهم يأخذون في الاعتبار خطر الاحتيال، لكنهم لا يتصيدونه.
ويقول روبن ليتجينز من جامعة “تيلبورغ” أنه هناك العديد من الأسباب الجيدة التي توضح لماذا لا يتم دائماً اكتشاف مواطن الفشل. ويكمن أحدها في أن دفاتر الشركات واسعة جداً إلى حد أن مدققي الحسابات بمكنهم تفحص عينة من المعاملات بشكل واقعي. ويأمل مدققو الحسابات أن تتم إتاحة أساليب تحليل أفضل للبيانات لعينات أكبر من أجل كشف حالات الشذوذ بشكل أفضل بطبيعة الحال.
ولكن في الوقت الراهن، ليس النظر في أقل من 5 % من المعاملات أمراً ليس بالعادي والطبيعي.
وبالمثال، يبحث مدققو الحسابات عن الأخطاء “المادية” بالمقارنة مع الأرباح والأصول وعادةً ما تكون العتبة تقع في نطاق يتراوح من 0.5 % إلى 10 %.
وربما تساعد هذه القيود في تفسير السبب الذي يجعل مدققي الحسابات، وفقاً لـ”رابطة الممتحنين المعتمدين للاحتيال”، يلتقطون قرابة 4 % فقط من الاحتيال المهني في العام الماضي.
وعلى الرغم من أن بعض الشركات تقدم المزيد من التدقيق الحسابي الشرعي، فهي تكلف الكثير من الوقت والجهد إلى درجة أن الشركات تختارها فقط في حال كانت تشكك بالفعل بوجود خطأ جسيم.
أسفل الخط
ويكمن سبب آخر في أن مدققي الحسابات لا يستطيعون تقديم أية ضمانات في أنه، على الرغم من الأرقام وجداول البيانات، فهم ذاتيون. وتحوي الحسابات الكثير من الافتراضات، مثل ما يتعلق بأحكام بعض المدفوعات المستقبلية غير المؤكدة. وينبغي على مدققي الحسابات استخدام حكمهم للبت في إذا ما كانت هذه الافتراضات منطقية. ويمكن أن يكونوا على خطأ بواقع الحال، وهو ما يعود إلى المعلومات التي تنشأ بعد إكمال التدقيق.
وتقع أجزاء أخرى من فجوة التوقعات، مع ذلك، في قدرتهم على الإغلاق. ويشكو مراجعو الحسابات أنهم يحاكمون على أساس بعض مراجعات الحسابات التي تتم خطأً. ومن الـ93,000 عملية تدقيق التي تتم في بريطانيا كل عام، بحسب قولهم، فهناك بعض الأخطاء التي لا مفر منها. وربما يكونوا اكتشفوا، في حفنة منها، أيضاً الاحتيال وسوء الإدارة. ويتم مشاركة تلك مع المنظمين، ولكن ليس على نطاق واسع، يقول ديفيد سبرول من “ديلويت”، لأن مدققي الحسابات مترددون في تحفيز التقلبات في سوق الأسهم. “فهم ليسوا محللين للأسهم”.
ومع ذلك، يطالب المستثمرون بمثل هذه المعلومات. وتطلب القوانين في العديد من الدول، والتي سوف تدخل أيضاً حيز النفاذ في أميركا خلال العام المقبل، من مدققي الحسابات توضيح المخاطر الرئيسي التي تتهدد آرائهم في مراجعة الحسابات. وهذا أمر يساعد، بحسب قول ليز مورال من “إنفيستمنت أسوسييشن، وهي هيئة تجارة لمدراء الأصول البريطانيين.
 ويود العديد من المستثمرين ايضاً سماع كيف يتحدى مدققو الحسابات الأحكام الإدارية. ويريد آخرون من مدققي الحسابات الذهاب إلى ما هو أبعد من البيانات المالية لتقييم توقعات الشركات للمبيعات والأرباح.
ومن جهتها، تقارن نتاشا لانديل ميلز من “ساراسين وشركاؤها”، وهي شركة استثمار، التدقيق المحاسبي بدراسات مشتري المساكن الاستقصائية. فهو لا يمكن أن يضمن عدم وجود تسرب أبداً، لكن عليها أن تعطي تأكيداً منطقياً بعدم وجود أيها. وهي تتساءل إذا ما كان بعض مدققي الحسابات يتخطون التدقيقات الأكثر بساطة.
 ووفقاً للـ”منتدى الدولي لمنظمي التدقيق الحسابي المستقلين”، وهي مجموعة من السلطات الوطنية، فإن خُمسي مدققي الحسابات الذين يتم التحقيق في أمرهم من جميع أنحاء العالم وجدوا بأنهم مليئين بالعيوب.
 وليس بعض مدققو الحسابات حتى متأكدين من أن مهامهم تنطوي على اكتشاف عمليات الاحتيال. وفوق ذلك كله، فقد مُنحوا إطلاق العنان لمعاييرهم المهنية بحرية.
ويتطلب التوفيق بين جميع هذه الآراء إعادة التفكير في الهدف من ونطاق المراجعة القانونية للحسابات. ويتفق براين هانت، رئيس “إيفير”، على أن مدققي الحسابات بحاجة إلى المعاصرة حتى يبقون على صلة بالمستثمرين ويساعدوا في التوفيق بين التوقعات. ولكن جعل الجميع، بما فيهم المنظمون وهيئات وضع المعايير والمستثمرين والشركات ومراجعي الحسابات أنفسهم، يتفقون على ما يجب أن يتم فعله أمر معقد لدرجة أن لا أحد يتوقع تقدماً سريعاً في هذا الصدد.
وطالما أن المفاهيم الخاطئة حول مراجعة الحسابات ما تزال قائمة، فإن المواجهة مع المستثمرين وصناع القرار الساخطين تبدو محتملة.
ويمكن أيضاً أن تأخذ المحاكم طرفاً ضد مدققي الحسابات ويشير جيم بيترسون، الذي كان محامياً في “آرثر آندرسون” ومثل العديدة من الشركات الكبرى، إلى أن المعايير المهنية والقانونية تختلف.
ويمكن لمدققي الحسابات أن يفعلوا ما يرون أنه يقطغ ضمن مجالهم ووظيفتهم، ولكنهم ما يزال يعتبرون مسؤولين عن ذلك.
ويسخر النقاد من أن رفع قضية على مدققي الحسابات هو أمر صعب إلى درجة أن ذلك ليس خطراً حقيقياً: ومن المحتمل بشكل كبير أن تثير المحاكم الفيدرالية في أميركا الشكاوى والإدعاءات ضد مدققي الحسابات. ولكن قضية بنك “كولونيال” المثارة ضد “بي دبليو سي” تُظهر أن الشركات يمكن أن تبقى تعاني مطالبات بأموال هائلة.
 ويعتقد بيترسون أن العقوبات التي تتجاوز الـ3 مليار دولار في العام يمكن أن تُغرق إحدى الأربعة الكبار، ما إمتداد الإنقطاع إلى الثلاثة الباقيات على قيد الحياة منهن، وإلى أسواق رأس المال أيضاً.
ومع إحاطة مخاطر التقاضي والسمعة بهذا القطاع، فإن الاستثمار في هذه المهنة يصبح أقل جاذبية مع مرور الوقت.
 ويواصل المنافسون إيجاد صعوبة كبيرة في إزاحة الأربعة الكبار: ففي التاسع والعشرين من آذار (مارس)، قالت “غرانت ثورينتون”، خامس أكبر شركة تدقيق محاسبي في بريطانيا، أنها سوف توقف عطاءات التدقيق الحسابي المقدمة للـ350 شركة المدرجة على مؤشر “إف تي إس إي” حتى يصبح هناك “تحول في المشهد التنافسي”.
وقد شهدت بعض الشركات البريطانية بعض الارتفاع في أعداد الشركاء البارزين الفارين إلى أمان أعمال الإستشارة والمالية، أو حتى إلى التقاعد المبكر.
وفي حال انسحبت المواهب، سوف يكون الوصول إلى المستوى الذي تحدده التوقعات العامة أكثر صعوبة بالنسبة لمراجعي الحسابات أصعب بكثير.

“الإيكونوميست”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock