رأي في حياتنا

فراش عربي

قبل أن يصل إلينا ابتكار “الريموت كونترول” في منتصف الثمانينيّات، كان الابن الأكبر هو جهاز التحكم بيد السلطة الأبويّة. يجلس أو يتمدّد متوسّداً كفيه على بعد متر ونصف المتر من التلفزيون الخشبيِّ، يتحفّزُ لأيِّ نداءٍ مباغتٍ من الأب الذي يتوسط الفراشَ العربيّ. كانت الخيارات محدودة بقناة أولى وثانية، وثالثة لدولة الجوار، ورابعة لمن يسكنون في مدينة “استراتيجية”، والانتقال من محطة إلى أخرى يخضع للمزاج السياسيِّ للأب، وهو غالباً مؤازرٌ لـ”العراق” ضدّ “إيران”، وميوله الموسيقية هي التي تسمح برفع الصوت إلى درجة غير مسبوقة إنْ ظهر “عبد الوهاب” في المساء برفقة عوده، أو خفضه عندما تطل الآنسة “سميرة سعيد” بفستان ورديٍّ وإيقاع جنائزي، ومعتقداته الوجودية تأمر بتسويد الشاشة عند فقرة “متولي الشعراويِّ”، ولمّ شمل العائلة أمام الحضور الأكاديمي المهيب لـ”حامد جوهر” في “عالم البحار”.
كان يغيبُ الأب للمرور في “الشام” أو الوقوف في “بغداد”، فتقتصر سلطة الأمِّ الزاهدة على الالتزام بمشاهدة شديدة القرب لإطلالة “يوسف شعبان” في “الشهد والدموع”، عند التاسعة والربع، قبل ذلك، وبعد، على الأبناء الخضوع للهوس الرياضيِّ للابن الأكبر، فبنيته تساعده على السيطرة المطلقة على مفتاح التحكم، ليديره نحو البثِّ المباشر لـ”ديربي” العاصمة، والفيلم الكرتونيّ للاعب الذي لا يخسر، وفي غير أوقات الذروة يتناوب الأبناء على اقتسام وقت البثِّ للرسوم الكرتونية، وبرامج إبراز المواهب المدفونة، حتى يعود الأب من غيابه الاستثنائي، وتعود أفراد الأسرة إلى أماكنها: الأب في منتصف الفراش العربيِّ، والابن الأكبر متحفز لأيِّ نداء، ثمّ “طقطقة” المفتاح في الاتجاهين حتى تظهر صورة “صدام حسين” بشَعْرٍ كامل السواد، وتسودُّ الشاشة على ظهور “الخميني”، وعلى الابن أن يزاود في الغضب، ويصفع صدغ التلفزيون الخشبيِّ، ويرشقه بماء فمه.
وفي نهار متأخّرٍ من العام 1990، دخل الأب بتلفزيون جديد إطاره خشبي رقيق، وله جهاز تحكم عن بُعد، سيؤدّي في تلك الليلة للاستغناء تماماً عن مهام الابن الأكبر الذي ارتدى نظارة طبية، وتراجع مترين إلى الوراء. الأب يمسك بـ”الريموت كونترول”، يتنقل بين القنوات الأربع، يفاضل بين التي تبتعد عن “العراق” وتقترب من “الكويت” ثم يفرض رأياً وسطياً ضد التدخل الأمريكي. ستكون هذه الحالة الأولى التي تشهد تململ الأبناء، بين ثلاث قنوات لدول متجاورة، تقف على الزوايا المتقابلة لـ”عاصفة الصحراء”، لكنّ القبضة على الريموت لم ترتخ، ولن يُسمح لتصريحات “نورمان شوارزكوف” أن تتسلل إلى البيت حتى في غيابه. انتهت الحرب، ولم يبدأ السلام، وتقاعد الأب عن العمل، ولم يعد الريموت يخرج من كفّه، حتى جاء الابن الأكبر بصحن مجوّف، يصل بين قمرين، ويدرُّ خمسين محطة في الدقيقة، ويشكو الأب من أن لا أحد يستجيب لندائه بصفع التلفزيون إنْ ظهر رديف “الخميني”.
مات الأب مقهوراً بعد أن عجزت أصابعه عن الضغط على أزرار الريموت. انتقل التحكُّم إلى يد الابن الأكبر، بعد أنْ أضاعت الأم ملامح “يوسف شعبان”، بين ألف وخمسمائة قناة، وزهدت تماماً بالفُرجَة. خمس دقائق من نشرة الأخبار، ودقيقتان من الفيلم “الليمبيِّ” الساذج، اختلفَ الأشقاء سريعاً في الولاء بين المحطات التي اختلفت على تسمية “غزو العراق”، ودرجة “سقوط بغداد”، والصفة التي ينبغي أنْ تسبق اسم “صدام حسين” بعد موته. كاد أنْ يتطوّر الخلاف إلى اقتتال بالأيدي، لكنّهم في مساء ليس ببعيد، عادوا إلى البيت، ولم يجدوا الريموت في مكانه الطبيعي في منتصف الفراش العربيِّ، بينما كانت الشاشة تتحرّكُ بنظام غريب بين القنوات، وتستقرُّ على قناة تحكي بالفارسيّة، وصورة الخميني في الخلفيّة.. أيضاً ماتت الأم مقهورة.

تعليق واحد

  1. ايام خلت
    حقيقة مقال اعادني لايام قد خلت وتسلسل الأحداث اوصلني الى ما نحن عليه . تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock