أفكار ومواقف

فراغ أمني

 


في طبقة الخزانة العلوية اكتشفت “الكنز”. لم أكن أتوقع إثارة بهذا الحجم من قبل، فقد تسارعت دقات قلبي وأنا أكشف عن حقيقة ما كان يخفيه أبي في ذلك المكان.


كان حريصا كثيرا على إخفائه بعناية فائقة؛ ووضعه في الخزانة الوحيدة التي تمتلك مفتاحا لإقفالها، ووضع فوقه شاشا أبيض، وكثيرا من الملابس التي تحجبه عن أعين من يفتحون الخزانة.


الكنز كان عبارة عن عشرات الطلقات لرشاس الـ “500”، مصفوفة بعناية فائقة في أعلى رفّ من الخزانة الموصودة التي نسيت أمي مفتاحها، في سابقة فراغ أمني تحدث للمرة الأولى في بيتنا.


كنت أعلم أن أمي ستعود في أي لحظة، لذلك قررت العمل بسرعة قبل أن تفقدني البهجة وعيي، وقبل أن تتبخر الإثارة التي كنت على وشك الحصول عليها.


أنقل الذخيرة إلى “الحلّان” الخلفي للبيت بسرعة فائقة، وهناك أحفر قليلا في الأرض، وأدفن “الكنز” في قاع الحفرة.


أطمر الحفرة قبل أن يتنبه أحد إلى فعلتي تلك، وأسوي التراب بالأرض، ثم أرتدي براءتي من جديد، وأذهب إلى الحوش بانتظار ما سيحصل.


وكما هي العادة، لا يحدث شيء، إذ تجيء أمي وتنخرط في إعداد الطعام، وهي تكاد أن تكون ذاهلة عن كل ما حولها.


تزجرني، وأنا أتقافز حولها بعبثية مصطنعة، وتخبرني أن لا أذهب بعيدا لكي أتناول طعام غدائي الذي كان على وشك النضوج.


أتنفس الصعداء، وأجلس متفكرا في ما يمكن عمله بهذا الكنز؟!


بعد الظهيرة، أحمل كمية كبيرة من الطلقات، وأجمع الرفاق لأخبرهم بما يجب عمله.


نتوجه إلى الوادي القريب من القرية، ونختار مكانا لائقا لتجربة الرصاصات فيه؛ كنا ديمقراطيين أكثر مما ينبغي ونحن نصوّت لأربع مرات حول اختيار المكان، وعندما استتب الأمر في النهاية، شرعنا في المرحلة الثانية من العملية؛ عملية التفجير.


نجمع الحطب اللازم، ونشعل النار التي سنفجر الطلقات بواسطتها، وما أن تصبح ألسنتها متأججة ومتجاوزة لقاماتنا، حتى نبدأ برمي الذخيرة الحية في جوفها.


كانت الإثارة تبلغ أوجها، فيما نحن نتراكض مسرعين للاختباء وراء الصخور وجذوع الأشجار الضخمة، للاحتماء من غضب النار وضيوفها من تلك الذخيرة.


تنفجر أولى الطلقات، فتزداد الإثارة، وتلمع عيوننا ببريق المغامرة والمتعة، ومع انفجار أولى الزغاريد من فم أحدن، تتلوها زغاريد أخرى غير منسقة.


تتوالى الانفجارات، ومع تكرارها نفقد رصانتنا وخوفنا، فنخرج من مخابئنا، ونقترب كثيرا من النار التي كانت تطلق حممها مع كل انفجار، فيما نحن نرد عليها بالزغاريد والغناء.


ومع بداية هبوط المساء، نبدأ بإخلاء الوادي الواسع. بتباطؤ وكسل، وبضجة وصخب نبدأ بالرحيل نحو بيوتنا في أعلى التلة، فيما كانت النار ما تزال متوقدة.


وفي رحلة العودة نمسك بأحدنا، نضعه في وسطنا عريسا مفترضا لمعركة مفترضة خضناها مع الهواء والفراغ، ونزفه بضوضاء كبيرة، مستعينين بقاموسنا الفقير من الأغنيات التي نحفظ أنصافها؛ نحدو له ونزغرد على صوت انفجار ما تبقى لنا من الرصاص.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أبو صالح
    أجمل مافي كتاباتك ياسيد موفق أنه وأنا أقرأ كل كتاباتك لم تشرد من أمامي أي لحظة أو أي مشهد من الذي تكتب عنه مشهد خيالي أو واقعي رائع جداً والأروع من ذلك هو عدم نسيانك له ….
    بالتوفيق يا أبو صالح ..

  2. كنز فعلا
    كم هو جميل ان تعود بنا الذكرى لكنوزتبني فينا شعورا رائع للحياه …هل فعلا كنا صغار

  3. نهاية مشاغبه
    وفي رحلة العودة نمسك بأحدنا، نضعه في وسطنا عريسا مفترضا لمعركة مفترضة خضناها مع الهواء والفراغ، ونزفه بضوضاء كبيرة، مستعينين بقاموسنا الفقير من الأغنيات التي نحفظ أنصافها؛ نحدو له ونزغرد على صوت انفجار ما تبقى لنا من الرصاص.

  4. وكانث ثمة حياة
    وكانت ثمة حياة اخرى ..هل حقا كبرنا ..ليتنا يقنا صغارا..بكل الشقاوة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock