ترجمات

فرز الحقيقة عن الخيال في الانسحاب الأميركي من سورية

ريك ستيرلنغ* – (مينت برس نيوز) 17/10/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إذا كان المرء يؤمن باستعادة القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فإن انسحاب القوات العسكرية الأميركية من شمال سورية هو أمر جيد. وفيما يلي بعض الحقائق والتاريخ التي تفسر السبب.

  • * *
    تعيش نخبة السياسة الخارجية الأميركية في حالة من الاضطراب والصخب. ويزعم هؤلاء أننا تخلينا عن حلفائنا، ويتساءلون عن كيف يمكن الوثوق بأميركا بعد الآن، ويقولون إن قرار الانسحاب من شمال سورية كان بمثابة هدية لروسيا وإيران والأسد، -بل وحتى لـ”داعش”. صحيح أن النزعة التدخلية التي اعتنقها الولايات المتحدة وحلف الناتو قد فشلت، لكن هذا كان صحيحا منذ غزو العراق أو حتى قبله. والآن، بعد الغزو الكارثي لأفغانستان والعراق وليبيا، والحرب غير المعلنة التي استمرت 8 سنوات على سورية، ألم يحن الوقت لاستنطاق نخبة السياسة الخارجية في الولايات المتحدة؟
    إذا كان المرء يؤمن باستعادة القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فإن انسحاب القوات العسكرية الأميركية من شمال سورية هو أمر جيد. وفيما يلي بعض الحقائق والتاريخ التي تفسر السبب:
    • حقيقة: إن سورية ليست بلدنا، ولم تأخذ القوات الأميركية الإذن أبدا من حكومتها ذات السيادة للتواجد هناك. أما إذا كانت واشنطن تحب دمشق أم لا، فغير ذي صلة؛ فمبوجب القانون الدولي، ليس لقوات الولايات المتحدة الحق في أن تكون هناك. وحتى الطلعات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف الأميركي فوق المجال الجوي السوري تشكل انتهاكا للاتفاقيات الدولية. وتقع على السوريين مسؤولية الدفاع عن بلدهم ضد تركيا الغازية؛ وإذا اختارت الحكومة السورية حشد الدعم من بلد آخر، فهو حقها.
    • حقيقة: كان الرئيس باراك أوباما محقاً عندما قال إن “وضع جنود على الأرض” في سورية سيكون “خطأ جسيما”. وقال لاحقا: “لدينا هدف محدد للغاية، هدف لن يؤدي إلى وضع جنود على الأرض أو أي شيء من هذا القبيل”. لكن الصقور في نخبة السياسة الخارجية سادوا. ولم يقتصر الأمور على وجود “جنود على الأرض” فحسب، وإنما كانت هناك أيضاً تبريرات دائمة التحول لوجودهم هناك.
    وقد فعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الكثيرون في المنطقة كل ما في وسعهم -باستثناء الغزو المباشر- للإطاحة بالحكومة السورية. وأنفقوا عشرات المليارات من الدولارات على الأسلحة والتدريب والمعدات والتجنيد، وكل ذلك في انتهاك مباشر للقانون الدولي. ومات أكثر من مائة ألف سوري وهم يدافعون عن بلادهم ضد جيش من المرتزقة والمقاتلين الأجانب برعاية أجنبية.
    • حقيقة: شجعت الولايات المتحدة ظهور “داعش”. لماذا ا؟ لأن المجموعة فرضت ضغوطاً على حكومة الأسد في دمشق ووفرت ذريعة للولايات المتحدة لدخول سورية. وبينما كانت الولايات المتحدة تقصف الرقة بكثافة، فإنها أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى بينما كانت مئات القوافل الضخمة تحمل النفط من شرق سورية إلى تركيا لتمويل عمليات “داعش”. كما شنت الولايات المتحدة غارات جوية ضد الجيش العربي السوري في خضم معركة حاسمة ضد “داعش” بالقرب من دير الزور. وفي محادثة سرية أصبحت الآن معروفة مع ناشط في المعارضة السورية في نيويورك، اعترف وزير الخارجية السابق، جون كيري، بأن الولايات المتحدة كانت تأمل في استخدام “داعش” لتقويض الحكومة السورية. وحتى نقول ذلك بصراحة، كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة مزدوجة واستخدمت الإرهاب كأداة. وهذه، بالطبع، حقيقة موثقة جيدا.
    بعد فشل “الجيش السوري الحر” المدعوم من الولايات المتحدة في الإطاحة بالحكومة السورية، سعت الولايات المتحدة إلى إيجاد وسائل بديلة. وشرعت في تمويل الميليشيات الكردية السورية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب. وأعطت لهذه الميليشيات اسماً جديداً، قوات سورية الديمقراطية، وشجعت النزعات الانفصالية لهذه المجموعة.
    في الأثناء، في تركيا، موطن أكثرية السكان الأكراد في المنطقة، يقاتل الأكراد من أجل حقوقهم، وقد شكلوا حزباً سياسياً (حزب الشعوب الديمقراطي) الذي عمل على توحيد التقدميين من كافة الأعراق. وفي الانتخابات التركية التي أجريت في العام 2015، برز حزب الشعوب الديمقراطي باعتباره ثالث أكثر الأحزاب شعبية، والذي تمكن من خنق هيمنة أردوغان على الانتخابات. وينشغل الحزب حالياً بحملة ضد حملة الغزو التركي ضد سورية، والتي يُطلق عليها اسم “عملية ربيع السلام”.
    بالعودة إلى سورية، توصلت الميليشيات الكردية السورية إلى اتفاق مع الحكومة السورية في 13 تشرين الأول (أكتوبر)، لمحاربة الغزو التركي. وينص الاتفاق على أن الجيش العربي السوري سيسيطر على المنطقة بأكملها ويدافع عنها من جرابلس على نهر الفرات إلى الحدود السورية الشرقية مع العراق.
    يدعي دعاة التدخل الأميركي أن الأكراد كانوا يقاتلون ويموتون “من أجلنا”. ومع ذلك، فإنهم كانوا يدافعون عن مجتمعهم. وكان مدى قبولهم وترحيبهم بالدعم الجوي الأميركي، والمعدات، والأسلحة الأميركية وما إلى ذلك، كله من أجل مصلحتهم، وليس مصلحة الولايات المتحدة. كان هناك طرفان يستخدم كل منهما الآخر لخدمة مصالحه الخاصة.
    كلما هاجمت الولايات المتحدة أو احتلت بلداً ما ، فإنها تحتاج إلى تبرير. في العام 1991 ، كانت الذريعة هي المزاعم الكاذبة حول قيام القوات العرقية بسرقة الحاضنات في الكويت. وفي العام 2003 ، كانت هناك الادعاءات الكاذبة بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق. وفي العام 2011 ، كانت هناك الأخبار الكاذبة عن تعرض المدنيين للتهديد من القوات الليبية في بنغازي. وقد تبين لاحقا كل هذه الادعاءات كانت إما مبالغا فيها إلى حد كبير أو خاطئة تماماً.
    أحد المبررات الرئيسية لاستمرار الوجود الأميركي في سورية هو أننا يجب أن نفي بكلمتنا ولا نتخلى عن القوات الكردية. وهو تبرير مفضل لشن الحروب. في كوبا ، كان المنفيون الكوبيون الذين دربتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وهاجموا “بلايا جيرون” “يعتمدون علينا”. ولحسن الحظ ، قاوم جون كنيدي الضغط وقال لا. وفي فيتنام، واصلت الولايات المتحدة الحرب لعقد من الزمان لأنه “لا يمكننا أن نخذل حليفنا”، حكومات سايغون. وقد قُتل ملايين الفيتناميين وفقد 55.000 جندي أميركي أرواحهم لأنه لم يكن بإمكاننا “التخلي” عن حكومة لم تكن في واقع الأمر أكثر من وكيلة.
    خلال “المناظرات الديمقراطية” في 15 تشرين الأول (أكتوبر)، قال جو بايدن أن انسحاب القوات الأميركية من شمال سورية كان “أكثر الأشياء المخزية التي قام بها أي رئيس في التاريخ الحديث فيما يتعلق بالسياسة الخارجية”. وهذا سخيف. فقد مات أكثر من مليون شخص في العراق من بينهم 4.500 وما لا يقل عن 100.000 من الجنود الأميركيين الذين أصيبوا بجروح خطيرة. وكان جو بايدن مؤيداً بارزاً لغزو العراق في العام 2003. وأيد، في وقت لاحق، كنائب للرئيس، الإطاحة بالحكومة الليبية. وما يزال ذلك البلد غارقاً في حالة من الفوضى مع عشرات الآلاف من القتلى. وقد تم تدمير هذين البلدين بسبب العمل الأميركي. ومن الأدلة الصارخة على انعدام المساءلة المخجل في وسائل الإعلام والسياسة أن بايدن مرشح جاد للرئاسة بعد أن دمر الكثير من الأرواح بتكلفة تريليونات من أموال دافعي الضرائب. وفي نفس المناظرات الديمقراطية، كانت توليس غابارد صادقة ودقيقة عندما قالت أن محنة الأكراد في شمال سورية هي “نتيجة أخرى لحرب تغيير النظام التي كنا نشنها في سورية”.
    على الرغم من صيحات الغضب والتضليل، فإن سحب القوات الأميركية من شمال سورية هو خطوة في الاتجاه الصحيح.

*صحفي استقصائي زار سورية عدة مرات منذ العام 2014.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sorting Facts From Fiction About the US Withdrawal From Syria

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock