آخر الأخبار حياتناحياتنا

فرط النشاط ونقص الانتباه.. إهمال العلاج يحمل نتائج خطيرة

ريم زايد

عمان- لم تنتبه أم أحمد (اسم مستعار)، والدة أحد الأطفال المصابين بفرط النشاط ونقص الانتباه، أن صغيرها يعاني هذا الاضطراب إلا بعد 4 سنوات. لم تكن على دراية بوجود اضطراب كهذا عند الصغار، ومن حولها في العائلة اعتمدوا على سياسة التشخيص التقليدي، الذي يتحرر من قيود الطب والمراجع العلمية “ابنك شقي وكثير حركة فقط”.
وحول كيفية معرفتها بإصابة طفلها في الاضطراب، توضح أم أحمد “ابني كان يتحرك بطريقة غير طبيعية ويكسر كل شيء حوله ويضرب كل الأطفال الذين يشاركونه اللعب ويفقد التركيز عند حضور الرسوم على التلفاز”. أخبرتها إحدى الصديقات المقربات بضرورة التوجه إلى الطبيب لتشخيص حالة ابنها حتى لا تتفاقم مشكلته إن كان هناك مشكلة، وتوجهت إلى زيارة الطبيب النفسي وتم تشخيص حالة ابنها على أنها اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه.
كحال العديد من الأطفال، تم تشخيص طفلها بهذا الاضطراب بعد فحوصات وتمارين نفسية وسلوكية عدة، كشفت عن إصابته، وتم توجيهها من قبل الطبيب المختص باتباع آلية تعامل مختلفة عن قبل. تبين أم أحمد آلية علاج طفلها سلوكياً “ساعدني الطبيب على علاج ابني بطريقة سلوكية كتوجيه الثناء والشكر والامتناع تماما عن تعنيفه نفسيا أو عقابه جسديا لأن هذا التصرف يزيده سوءًا وتعليمه مهارات جديدة وحثه على مشاركة الآخرين اللعب بطريقة سلمية”.
حالة هذا الطفل، كحال الكثيرين، ممن يعانون حركة مُفرطة غير طبيعية وقلة التركيز أثناء اللعب، وقد يؤدي “إهمال” هذه الحالات لنتائج لا تحمد عقباها، وفق مختصين، لذا ينبغي الانتباه لعوامل التغيير الملموس في شخصية الطفل، وكيفية تعاطيه مع محيطه، والسلوكات السلبية والعدائية التي قد تظهر عليه وتلحق الضرر بالآخرين.
اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه مرتبط بالصحة العقلية
ووفقاً “لمؤسسة مايو كلينك الطبية”، فإن اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه “مرتبط بالصحة العقلية”، ويتضمن مجموعة من المشكلات المستمرة، مثل صعوبة الانتباه، وفرط الحركة، والسلوك الاندفاعي.
أم أحمد بدأت تقرأ حول المرض في الكتب التي تدرس سلوك الأطفال، وتبحث عن الدراسات الجديدة التي تكشف أهم التصرفات التي يجب على الأهل القيام بها، مبينة أنها بعد مدة من كشفها عن الاضطراب المصاب به ابنها حددت ساعات جلوسه على الموبايل، وأصبحت تراقب مشاهداته على تطبيق “يوتيوب” والألعاب التي يمارسها إن كانت تحتوي على مشاهد عنف وضرب أم لا، وتعطيه الاهتمام اللازم.
وتقول “اليوم عمر ابني 7 سنوات وتحسن بشكل كبير، وأصبح أكثر تركيزاً وأكثر هدوءًا، فقط كان يحتاج إلى عناية من قبل الأهل وجهد متواصل”.
البالغون المصابون بالاضطراب أعراضهم أقل هيمنة
وبحسب المقال العلمي الذي نشرته مجلة النقل العصبي في منتصف العام 2021، بعنوان “الأداء النفسي والواقعي للبالغين المصابين بفرط الحركة ونقص الانتباه”، فإن الدراسات الوبائية ودراسات المتابعة تشير إلى استمرار هذا الاضطراب عبر فترة المراهقة إلى مرحلة البلوغ في ثلث إلى ثلثي الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وأن الأعراض لدى البالغين المصابين بهذا الاضطراب تكون أقل هيمنة.
استشاري الطب النفسي الأطفال واليافعين في مستشفى الملك المؤسس عبدالله محمود بشتاوي، يؤكد أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو اضطراب سلوكي يتضمن مجموعة مشكلات مستمرة، تظهر بالسلوك الاندفاعي الذي يؤدي إلى علاقات غير مستقرة وضعف في الأداء المدرسي وقلة ثقة بالنفس.
ويواصل حديثه لـ”الغد”، حول نشأة المرض “يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر إلى عمر البلوغ ومن الممكن لأكثر من ذلك”، ومع تقدم الأعراض ينخفض فرط الحركة وتستمر أعراض النشاط والاندفاع والهيجان.
ويقول بشتاوي “عادة تبدأ الأعراض قبل سن الثانية عشرة من عمر الطفل، وتكون هذه الأعراض ملحوظة في سن 3 سنوات، وقد تكون خفيفة أو معتدلة أو شديدة، ويحدث هذا الاضطراب أكثر في الذكور الذين يكونون أكثر نشاطاً والفتيات الأقل تركيزا”.
ويبين أن السبب الحقيقي لهذا الاضطراب ما يزال غير واضح، لكن قد تكون هناك أسباب تتعلق بالجينات أو البيئة المحيطة، أو مشكلات متعلقة بالجهاز العصبي المركزي عند الطفل خلال تطوره، وأيضاً توجد بعض الأسباب التي تزيد احتمالية الإصابة بهذا الاضطراب مثل إصابة أحد الوالدين أو إصابة أحد الإخوة، أو التعرض للسموم البيئية “كالرصاص الموجود بشكل أساسي في الطلاء والأنابيب أو المباني القديمة”، أو التدخين أثناء الحمل أو تعاطي الكحول أو المخدرات من قبل الأم.
تعاطي الحبوب المخدرة وسلوكات عدائية خطيرة مصيراً للمصاب
ويزيد بشتاوي أن المضاعفات التي ترافق الاضطراب تعتمد على شدة الاضطراب، وعلى السلوكات المرافقة له وعادة تظهر في عدم تقدير الذات والإخفاق الدراسي، وعدم تقبل الأطفال الآخرين لأقرانهم المصابين به، وأن هنالك بعض الأطفال الذين يتشكل لديهم سلوك سلبي وعدائي، وعندما يكبر قد ينتهج الشخص سلوكا ينافي خلق المجتمع كالسرقة والتشاجر وإلحاق الضرر بالآخرين. كذلك وجود تقلبات مزاجية تتسم بالاندفاعية وحدة الطباع وصعوبة الاستيعاب، ومشاكل في القراءة والكتابة، ومن الممكن تعاطي الحبوب المخدرة عند الكبر، ويرافقه اضطراب قلق وعصبية أو وسواس قهري أو اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب.
ويلفت بشتاوي إلى أن طرق الوقاية تكمن في أن تتجنب المرأة الحامل التدخين أو الحبوب المخدرة أو المشروبات الكحولية وما يضر النمو الجنيني للطفل، وبعد الولادة لا ينصح بتعرضه إلى فترات مشاهدة التلفاز بشكل كبير أو ممارسة ألعاب الفيديو أو الجلوس المستمر على الموبايل، وعند انتهاج طرق علاجية ينبغي أن يتم انتهاج طرق مختلفة ومجتمعة مع بعضها بعضا، كالعلاج الدوائي والسلوكي والاجتماعي.
ومن جهتها، تقول المعالجة السلوكية سارة “إن اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه له أعراض واضحة عدة، كتحرك الطفل وهو في المكان نفسه، ومحاولته أن يجري أو يتسلق في مكان غير مناسب، مع صعوبة الالتزام، وعدم القدرة على إكمال النشاط الذي يقوم به، كثير الحديث، ولا يجلس في المكان لمدة طويلة”.
وتضيف أن الاضطراب يبدأ غالباً في عمر 5 سنوات، وتصف الناس تصرفات الطفل المصاب به بأنه “قليل تهذيب أو قليل اكتراث” إلى أنه في الحقل العلمي، فهو يعاني فرط النشاط ونقص التركيز.
وتؤكد بدور لـ”الغد”، أن هناك ما يدعى بالمعيار الفارق عند التشخيص ومميزاتها الرئيسية تسمى “فقدان المثابرة في النشاطات التي تستعدي اندماجاً معرفياً” يعني فقدان النشاط لتعلم أي شيء يستدعي اكتشاف، وأيضاً الانتقال لنشاط ثان من دون الانتهاء من الأول، مشيرة إلى أن تشخيص الحالة يكون بعد 6 أشهر من إصابته بالأعراض نفسها.
هؤلاء الأطفال “لا مبالون ومندفعون ولا يلتزمون بالقواعد والقوانين في أي مكان نتيجة عدم الانتباه”، طالما يكونون غير محبوبين في العادة بين الأطفال وفقاً لما بينته بدور، إذ إن “من يعيش هذا الاضطراب هم شخصيات منعزلة بسبب الفرق المعرفي الشائع عنهم في تطور النمو غير المناسب”، ما يسبب آثارا نفسية كضعف الثقة بالنفس، الانعزال، رفض من الأقارب والمدرسة و حتى الأهل.
70 % من المصابين يستفيدون وتزول أعراضهم عند العلاج
العلاج ينقسم وفقاً لنوع الإصابة، فالاضطراب له 3 أنواع؛ أولها قلة تركيز يرافقها فرط نشاط، والنوع الثاني قلة تركيز فقط، والنوع الثالث فرط الحركة فقط، وبنسبة 70 % يتحسنون عند الإخضاع لعلاج سلوكي، وفقط نسبة 30 % منهم لا يتحسنون على العلاج.
وتنوه بدور إلى أن العلاج يقع على أكثر من اتجاه في الأسرة والبيت والمدرسة، كإدخال الطفل مدرسة تحتوي فصولاً للتعليم الخاص لأنه قد لا يكون قادراً على التركيز، ووضع جدول لتخفيف سلوكات معينة، ومراقبة بعض المأكولات التي تزيد الطاقة.
اختصاصية التغذية مرح نظيف، تقول إنه لا يوجد أدلة كافية تثبت أن اضطراب فرط النشاط عند الطفل ينجم عن سلوكات خاطئة في التغذية، لكن هنالك نصائح تقدم، تؤثر بشكل كبير جداً على منحنى إصابته واستفادته.
السكريات تضاعف النشاط وتزيد المخاطر
في العام 2020، خلصت ورقة بحثية بعنوان “ارتباط الأنماط الغذائية بأعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بين الأطفال في سن ما قبل المدرسة في كوريا الجنوبية” الصادرة عن مجلة “علم الأعصاب التغذوي”، إلى أن النمط الغذائي الحلو يزيد مخاطر نقص الانتباه، والنمط الغذائي النباتي يخفض خطر الإصابة بالأعراض.
وتؤكد بعض الدراسات التي تم إجراؤها على مجموعة من الأطفال، أن تعويض نقص معادن وفيتامينات وعناصر غذائية، يعمل على تحسن كبير في الأعراض الناجمة عن فرط الحركة، فضلا عن الأحماض الأمينية والمعادن والأوميجا 3، إذ إن نقص الحديد والزنك عند الطفل سواء لديه فرط نشاط أو لا، يؤدي إلى قصور عقلي ومعرفي وإدراكي لديه، ولوحظ أن من لديهم فرط نشاط يعانون نقصا محددا في عناصر معينة “كالكالسيوم والفسفور” وعندما أخذوا الفيتامينات كان لها تأثير إيجابي جداً على سلوكاتهم.
وتتابع أن العلاج التغذوي لمصابي اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه، يعتمد على الفيتامينات، وتركز على أنه بعض الأطعمة وجد لها تأثير سلبي على سلوك الطفل، كالمواد المضافة على الأطعمة، والمواد الحافظة كالخضرة المجمدة غير الطازجة، والفواكة المجففة، والمحليات والأطعمة التي تسبب تحسسا والسكريات بأشكالها كافة.
غير أن نظيف تبين أنه لا يوجد دراسات قطعية بل جميعها تحت المجهر “تثبت أن بعض السلوكات الخاطئة أثناء الحمل كأخذ الأدوية بغير وصفة طبية أو التدخين، عوامل محفزة لإصابة الطفل بفرط النشاط”، وإذا أخذت المرأة غذاء متوازنا وحافظت على مكملاتها خلال فترة الحمل، تقلل من إصابة الطفل بفرط النشاط.
يؤثر هذا الاضطراب بشكل رئيسي على التحصيل الدراسي في المدرسة، لذا تتناول المستشارة التربوية بشرى عربيات، الموضوع في إطار تربوي، وتؤكد أن إصابات الحالات باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط تتزايد في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يدعو إلى التوقف، خصوصا للطلبة في المدارس ومع صعوبة كشف هذه الحالات أو متابعتها.
ووفق عربيات، من المهم أن تتعاون وزارتا التربية والتعليم والصحة، لتقديم رعاية خاصة لمصابي فرط النشاط ونقص الانتباه، وتحديد عدد الحالات التي تعاني ذلك والمساعدة على وضع حلول لهذه الفئة.
وتؤكد عربيات أن هؤلاء الطلبة يتعرضون للتنمر من زملائهم الطلبة أو من المعلمين داخل المدرسة، لذا تقترح أن يتم تدريب المرشدين التربويين الأكاديميين في المدارس الحكومية والخاصة على متابعة الأطفال المصابين بفرط النشاط وقلة الانتباه، والتعاون مع أولياء الأمور في ذلك.
وتضيف أن هناك عددا من هؤلاء الطلبة يحتاجون إلى وقت إضافي في الامتحانات، وقد يحتاج البعض إلى شخص يكتب عنهم إجابات الامتحان، وأن يكون هناك متابعة من قبل وزارتي التربية والتعليم والصحة في هذا المجال.
الخبير في مواجهة العنف ضد الأطفال ومستشار الطب الشرعي هاني جهشان، يؤكد لـ”الغد” أن فرط الحركة لدى الأطفال، كما في المراجع العلمية، له أشكال عدة وأسبابه متعددة الجذور، ومنها السلوكي والاجتماعي والإدراكي والمرضي.
وبحسب جهشان، فإن الكثير من المختصين النفسيين يرون أن النشاط المفرط عند الطفل سببه الاستخدام المفرط للأجهزة التكنولوجية ومشاهدة ألعاب الفيديو التي تحتوي على مشاهد عنف وممارسات خطيرة تشوه منظومته الفكرية والمرجعية.
وينوه جهشان إلى أن استعمال الطفل “أي طفل وليس فقط ممن يعانون فرط الحركة” التكنولوجيا الرقمية استعمالاً غير منضبط وغير مشرف عليه من قبل الأهل سيؤدي حتماً لعواقب مرضية جسدية ونفسية وسلوكية واجتماعية قد تؤدي للانحراف والجنوح وارتكاب أفعال جنائية عند كبره.
وحول الأثر الخطير على الأطفال من استخدام الأجهزة الإلكترونية، يؤكد جهشان أنه يكمن في المحتوى الرقمي وليس في الاستخدام بحد ذاته، على سبيل المثال وليس الحصر؛ المحتوى المشتمل على كراهية، عنف، مخدرات أو محتويات جنسية، يترك آثاراً وخيمة في تشكيل شخصية الطفل وتكوينها.
ويركز جهشان على محتوى الدراسات التي تبين أن الأطفال والشباب الذين لا يتمتعون برقابة من الأهل، أو الذين يعانون ضعف الثقة بالنفس، أو الذين يفتقدون الموجه في حياتهم معرضون بشكل خاص للعواقب السلبية المتصلة باستخدام الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات.
ووفق جهشان “أثبتت الدراسات أن تأثير مشاهد العنف في الإعلام على الأطفال حتى سن 18 سنة، في التلفزيون والإنترنت والأفلام وألعاب الفيديو وألعاب الكمبيوتر، تؤدي إلى تأثيرات سلبية على الاستثارة وعلى الأفكار والعواطف وبالتالي حدوث سلوك عدواني لدى الأطفال، وهناك زيادة احتمال تعرض هؤلاء الأطفال عند كبرهم للاضطرابات النفسية والتعود على الكحول والمؤثرات العقلية وحتى ارتكابهم الجريمة”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock