ترجمات

فرنسا: هل يتنافى الصراع الطبقي مع النضالات الهوياتية؟

رفيق شكات* – (أوريان 21) 16/3/2021

يوجه عالما الاجتماع، ستيفان بود وجيرار نويرايل، انتقادا لاذعا إلى الأكاديميين والنشطاء الملتزمين بـ”القضية العِرقية”. ولكن، من خلال تغذيته مفاهيم غامضة في ظل الحملة الراهنة في فرنسا ضد ما تسمى “الإسلاموية-اليسارية”، فإن عملهما -قصير النظر- وجدلي أكثر من كونه علميًا.

  • * *
    للأسف، أصبح هذا المشهد عاديا في فرنسا. في يوم الخميس 11 شباط (فبراير) 2021، نشرت “دار غاليمار” الكتاب الجديد لجيل كيبيل بعنوان “النبي والجائحة. من الشرق الأوسط إلى جو الجهادية”. وهو كتاب يتحامل فيه، من بين أمور أخرى، على “الإسلامويين-اليساريين”، و”الما بعد استعماريين” (أي أولئك الذين يدرسون الـ”ما بعد استعمارية”) وغيرهم من التقاطعيين (أي الذين يدرسون تقاطع أشكال التمييز). وهؤلاء، وفق كيبيل “يسيطرون على الجامعات ويمنعون أي مقاربة نقدية للظاهرة الإسلامية”.
    وفي اليوم نفسه، نظم التلفزيون العمومي الفرنسي في ساعة ذروة المشاهدة المسائية مناظرة بين وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، وزعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبين، التي يُتوقع أن تكون حاضرة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المقبلة (2022). وفي ما لا ينطوي على أي مفاجأة، أشاد المتحدثان بالقمع المعادي للإسلام الجاري حاليًا في البلاد، مع الاستشهاد بمقتطفات من كتاب الوزير “الانفصالية الإسلاموية” لدعم ذلك. وفي اليوم الموالي، عنونت جريدة “لوفيغارو” اليمينية: “كيف تنخر الإسلاموية-اليسارية الجامعات”. وتحت هذا العنوان الكبير يمكن قراءة: “يزداد التقارب بين الأصوليين المسلمين واليسار المتطرف في الكليات. وهو يتغذى بمفاهيم نضالية أتت من الولايات المتحدة، والتي تبنتها بعض النقابات الطلابية”.
    وبعد أقل من 48 ساعة من ذلك، زايدت وزيرة البحث والتعليم العالي، فريديريك فيدال، منددة هي أيضا بالإسلاموية اليسارية التي “تنخر في المجتمع بأسره”. وأعلنت عن طلب موجه للمركز الوطني للبحث العلمي لإجراء تحقيق “حول جميع التيارات البحثية بخصوص هذه المواضيع في الجامعات، بحيث نتمكن من التمييز بين ما يندرج ضمن البحث الأكاديمي وما يقع تحديدا في إطار النضال والرأي”.
    عندما نشر جيرار نويرايل وستيفان بود قبل أسابيع قليلة، وفي جو عاصف رجعي، مقالا في صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” حول “مأزق السياسات الهوياتية”، كنا نتخيل أن هذين المثقفين اليساريين سينتفضان ويصعّدان من عبارات الإدانة ضد هذه الهجمة غير المسبوقة والاعتداءات المتعددة على الحقوق والحريات المرافقة لها. لكن ذلك لم يحدث. من خلال انتقادهما اللاذع لأمركة الحياة العامة والحضور المطلق لـ”المسألة العرقية” والانحراف الهوياتي ليسار كانت له -حسب رأيهم- نظرة اجتماعية في السابق وصار اليوم ميالا أكثر فأكثر إلى النظريات المتعلقة بالعرق، بدا المقال طلقة أخرى في المتتالية المذكورة أعلاه. وقد أعلنا في هذا المقال عن صدور كتاب عن دار آغون حول “العرق والعلوم الاجتماعية: دراسة حول الاستعمالات العامة لمفهوم”، وهو كتاب يطمح إلى “الخروج من الأجندة السياسية والإعلامية”. لكن هذا الطموح خاب.
    على الرغم من أن بود ونويرايل يؤكدان العكس على امتداد الكتاب الذي يتكون من 400 صفحة، والذي سرعان ما نال نجاحا في المبيعات، فإن عملهما منحاز بالتأكيد، حيث يتدخل فيه الكاتبان بسوء نية نادرة، غير مكترثين في الغالب لأي صرامة علمية. إنه كتاب سياسي مليء بتعليقات وجمل حادة، حيث يقوم الكاتبان بتصفية للحسابات مع زملاء أو مؤسسات بحثية، ويسخران من “اليسار الثقافي” و”مقاولي الهوية” و”تجارة ما بعد الاستعمارية”، وفزاعة “عنصرية الدولة” وما يسمونه بـ”موضات” الدراسات العرقية أو التقاطعية”.
    مفاهيم ضبابية
    في حين يزعمان أنهما يتدخلان بصفتيهما مؤرخا اجتماعيا وعالم اجتماع لمعالجة مسألة العرق، لا يقترح بود ونويرايل في أي وقت تعريفا لهذا المفهوم بالذات، (كما لا يقدمان تعريفا للطبقة، مع أنهما جعلا منها تعويذة). ولن تجد القارئات والقراء أي تفاصيل حول ما يهدف إليه الكاتبان بكلمة “الهوياتي” (identitaire) التي تعد حسب رأيهما أمرا مشينا. هكذا تم وصف حركة “القوة السوداء” (Black Power) في الولايات المتحدة على أنها هوياتية (ص 144)، وكذلك المطالب التي رفعها إيمي سيزار أو ليوبولد سيدار سنغور (الصفحة نفسها) في حين أن فرانتز فانون الذي أخطأ المؤلفان في تهجئة اسم كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” (الصفحة نفسها) يلقى الثناء لأنه بقي، حسب رأيهما، بعيدا عن “التعبئات الهوياتية”.
    يعمل المؤلفان على تغذية خلط منفر بين العِرق والمسألة العرقية، وهما مصطلحان يستعملانها على أنهما مترادفان. كما لا يريان ضرورة لشرح اختيارهما تحديد بداية تحليلهما من القرن التاسع عشر، في حين أن الأعمال التاريخية الجادة تقوم بدراسة مفهوم العِرق في أوروبا ابتداء من القرن السادس عشر. ولذلك، يترتب علينا في ظل هذا الغموض شبه الفني أن نخمن ما يعنيه بود ونويرايل بـ”المسألة العرقية”، التي من المفترض أن تكون موضوع اهتمامهما، ويبدو الأمر مبهما منذ الأسطر الأولى:
    “عادت المسألة العرقية إلى الظهور فجأة في قلب الأحداث يوم 25 أيار (مايو) 2020، عندما كان هناك بث مستمر لصور فيديو تظهر مقتل جورج فلويد والتي التقطتها إحدى المارات بكاميرا هاتف نقال على شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية”. (ص 9).
    لماذا عادت “المسألة العرقية” إلى الظهور في هذه اللحظة بالذات؟ ولأي سبب بالضبط كانت قد اختفت؟ على سبيل المثال، يخبرنا الكاتبان -اللذان يتطرقان إلى الموضوع، على ما يبدو، بشكل تقريبي- بأن “المسألة العرقية عادت بفرنسا في الثمانينيات كأحد أبعاد الجدل حول الهجرة” (ص 195)، وبأن قضية الحجاب بمدينة كراي شمال باريس في العام 1989 (حول تلميذتين بالمدرسة الإعدادية كانتا ترتديان الحجاب) كانت المناسبة لوسائل الإعلام لإعادة هذه المسألة العرقية إلى الواجهة.
    ينظر الكاتبان إلى انتفاضات العام 2005 على أنها الحدث الرئيسي الذي أطلق “عَنصرة (تصنيف عرقي) جديدة في الخطاب العام” (ص171). ثم يأسفان لكون فكرة “عنصرة” المجتمع الفرنسي قد فرضت نفسها تدريجيا في الوسط الجامعي الضيق الذي يعمل على المسألة العرقية، ويتساءلان بخصوص “المشكلة التي تطرحها إعادة الاعتبار للعرق في المجال العلمي والتاريخ وعلم الاجتماع” (ص 181-182). ثم تنقلب المسألة بعد بضع صفحات، حيث نقرأ أن “المسألة العرقية كانت محل صراعات مستمرة بين مختلف أطياف المجال السياسي الجمهوري” (ص 225).
    يُعدّ الخلط بين “العنصرية” و”المسألة العرقية” إشكاليا للغاية، لأن هذين المفهومين يشيران إلى مواضيع جد مختلفة. إذا كان العرق مفهوما معاصرا يشير إلى “علاقات قوة هيكلة -وفق طرق مختلفة بالنظر إلى السياقات والأزمنة- المكانة الاجتماعية المخصصة لمجموعة أو أخرى باسم ما يفترض أنها الغيرية الجذرية للأصل (جغرافي، ثقافي أو ديني)”، وإذا كانت العنصرية حقاً هي التي تخلق العرق، فإن المسألة العرقية تعني شيئا آخر تماما. إنها في الوقت نفسه كل الخطابات التي يتم إنتاجها حول مفهوم العرق والطريقة التي يتم بها ذلك، وأيضا التشكيلات التي تسمح بها والروابط التي تصوغها مع مسائل أخرى، والمخيلة التي تعود إليها إلخ… وبذلك، ليست دراسة مفهوم العرق ودراسة المسألة العنصرية الشيء نفسه على الإطلاق، ومن الضروري بذل مجهود للتمييز بينهما، وإلا لا يمكن فهم أي شيء.
    المُراقِب من عليائه
    يُعد غياب تعريف مفهوم العرق وتبرير الإطار التاريخي المعتمد الممزوج بالطريقة التي ينصب بها المؤلفان نفسيهما كمُدعين عامين ويقومان بتوزيع النقاط الجيدة والسيئة، دلالة عن رغبة في تقرير ما هو شرعي وما هو غير ذلك، انطلاقا من موقع صاحب سلطة لكنه لا يعترف أبدا بأنه كذلك. إنها غطرسة النقطة صفر التي حللها سانتياغو كاسترو غوميز، والتي تشير إلى ادعاء ملاحِظ العالم الاجتماعي بأنه “يتبنى نظرة سيادية للعالم، والذي تكمن سلطته بالتحديد في كون أنه لا يمكن ملاحظته أو تمثيله”. ويبدو أن بود ونويرايل يقطنان نقطة الصفر هذه، وهما مقتنعان بأنه يمكن أن يكون لديهما وجهة نظر لا يمكن تنسيبها:
    “ليست لدينا أوهام كثيرة حول كيفية استقبال هذا الكتاب. لقد علمتنا التجربة أنه على الرغم من الإكثار من احتياطات التعبير، فإن القوى المتصارعة حول المسألة الهوياتية ستستعمل هذه أو تلك من حججنا لتأجيج الجدل، إما لحشدنا لصالح قضيتهم أو للتنديد بنا. كانت الحجة المفضلة لدى الفلاسفة الماركسيين الذين لم يكونوا يتقبلون النقد هي أن خصومهم “يلعبون لعبة” السلطة أو الرأسمال الكبير. وهي الشتائم نفسها التي يتبناها اليوم مثقفو الهوياتية الذين يضربون مصداقية منافسيهم من خلال اتهامهم بـ”لعب لعبة” العنصريين أو الإسلامويين. (ص 377).
    دعوة جذابة للباحثين الشباب
    يقترب التحليل القاطع والحاد الذي أجراه الكاتبان لأعمال كوليت غيومان من الافتراء. وماذا كان ذنبها؟ أنها أدخلت إلى فرنسا الانشغالات العرقية التي كانت حتى ذلك الحين أميركية بحتة. وكدليل على أنها مذنبة، يتم التذكير بأنها درَّست في فرنسا وكندا. وبالتالي فإن “ألفتها لسياق التعددية الثقافية لأميركا الشمالية هي التي سمحت لها بأن تُقحِم في المجال الفكري الفرنسي مقاربة للمسألة العرقية، والتي استمرت إلى اليوم في خطوطها العريضة” (ص 185).
    من خلال التعبير عن أسفهما لأن غيومان ومن تبعها أسهموا في إضفاء طابع مؤسساتي على المسألة العرقية في الأماكن الأكثر شرعية للبحث في العلوم الاجتماعية، فإن الكاتبين يستنكران في الواقع كون هذا المجال النظري الجديد له جاذبية لدى جيل شاب من الباحثات والباحثين المنحدرين من الأقليات. وهم أُناس لا يريدون اختزال كل الإشكاليات في رهانات طبقية ويرغبون في إعادة النظر في الحياد القيمي (الآكسيولوجي) المقدس للباحث.
    كتبت رشيدة ابراهيم بأن “عنصرية ما بعد الاستعمار كارثة طويلة تعرف كيف تُسكت مصدرها”. وهي تشير إلى أن “الحياد الذي يتظاهر به الباحثون عموما في العلوم الاجتماعية هو في الواقع عنف معرفي يسهم في هذه الكارثة الطويلة”. وترى أنه “يعيق ذكاء الجميع من خلال إجبارهم على تفضيل التحليلات من حيث الطبقات الاجتماعية التي ما تزال تبدو أنها الضامن الوحيد للموضوعية العلمية”.
    من خلال حصر مفهوم العرق في العالم الأكاديمي والفكري للقرنين التاسع عشر والعشرين، يبوح الكاتبان بحنين إلى زمن كانت تناقش فيه “المسألة العرقية” بين أفراد “المجتمع الرفيع”. وهي وضعية تتناقض بشكل مفضوح مع الزمن الراهن حيث تتدخل جماهير مجهولة وبطريقة غير منظمة في النقاش العام لإثارة مسائل لا يستطيع طرحها سوى المثقفين. وتصبح النبرة أكثر انتقامية في خلاصة الكتاب: “سيستمر، على مستوى الشبكات الاجتماعية، أولئك الذين لا يمتلكون وسائل الجدل باستعمال الأسلحة الوحيدة المتاحة لهم: العنف اللفظي والشتائم المبررة باعتبارات أخلاقية” (377). ويحرص الكاتبان على الإشارة إلى أن الكتاب ليس موجها إلى هذا الجمهور.
    جدالات الهوية والعرق
    مسبقاً، ومنذ سنوات، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالجدالات من جميع الأنواع حول مسألة العرق. فأي كلمة عنصرية (وما أكثرها) يتم نقلها على الفور والتعليق عليها من طرف أفراد وهياكل تعمل للأسف كوسيلة تضخيم لخطاب خصومهم. وهكذا نغرق الشبكة -وكذلك وقتنا ووقت من حولنا- باللاشيء (أو بما يقترب من اللاشيء). وإذا كانت هذه الطريقة ليست خاصة بموضوع “العرق”، علينا مع ذلك أن نسأل أنفسنا لماذا نفعل ذلك. إن ما يُترك على الجانب في هذا النشاط التعليقي هي الجوانب النظامية والهيكلية للعنصرية. فماذا يحصل لكل ما لا يمكن التقاطه ورؤيته وتصويره على الفور؟ ألا نسهم في جعل كل هذه العمليات غير مرئية، والتي تثقل بسبب ديمومتها كاهل ملايين الأرواح؟
    كتبت ماري خوسيه ماندزين: “يجب علينا، شئنا أم أبينا، أن نمنح لمسألة الصورة مكانا حاسما في التفكير عن انهيار الحياة السياسية”. نعم، يجب ذلك، ولكن بالتأكيد ليس بالطريقة التي يستعملها بود ونويرايل. فبدلا من انتقاد اللعبة السياسية واستقطاباتها المحبطة، و”عماها المتقاطع” (وفق عبارة بيار بورديو)، يقوم مؤلفا كتاب العرق والعلوم الاجتماعية بحصر هذه العيوب في المسألة العرقية بإدانتهما لكل “مقاولي العرق” الذين “يتشاركون لغة منافسيهم اليمينيين نفسها” (ص 243).
    وباعتبارها مستهدفة من اليمين المتطرف، فإن المطالب الهوياتية (وقد رأينا وسع تصور الكاتبين لها) تغذي الجدل العنصري. ويكشف النضال ضد العنصرية، حسب الكاتبين، تناقضات تستغلها القوى الهوياتية اليمينية لصالحها. من فرنسا إلى الولايات المتحدة، تكون هناك كتلتان تتصادمان في صراعات هوياتية: مجموعات الأقليات ومجموعات التفوق العرقي الأبيض. وفي فرنسا يقود التجمع ضد الإسلاموفوبيا وجيل الهوية المعركة نفسها.
    الطبقة ضد العرق
    كرر ذلك بود ونويرايل بما يكفي: ليس لديهما مشكلة مع مفهوم العرق. وهما مقتنعان بأنه يجب أن يبقى في مكانه وأن يتم التعامل معه فقط “كمتغير أو كحالة خاصة، تُدرس ضمن إطار مشكلة علمية أوسع”. (ص 192). وخلافنا حول هذه النقطة كامل، ولكننا نلتقي مع الكاتبين عندما يعتبران أن العنصرية لا توجد أبدا بصفة خالصة، مستقلة عن علاقات الهيمنة الطبقية. لكن هذا ينطبق أيضا على الطبقة التي لا توجد بمعزل عن علاقات الهيمنة بين العرق والجنس. وهذا يؤدي بنا إلى “التفكير في الوقت نفسه بعدم اختزال المسألة العرقية وصِلتها التي لا يمكن فصمها عن العلاقات الطبقية والجنسية”.
    إذا كانت للعرق علاقات وثيقة بالطبقة، فإن المظالم والأضرار التي تتعرض لها الأقليات العرقية لا يمكن مع ذلك اختزالها في العلاقات الطبقية وعلاقات الهيمنة الرأسمالية. أن نُرجع كل الأمور إلى الطبقية، فهذا يسجننا في شبكة قراءة ممركزة أوروبيا واقتصادية بحتة (وهي على وجه التحديد شبكة قراءة كاتبي “العرق والعلوم الاجتماعية”). يجب إجراء التحليل (على الأقل) على كلتا الجبهتين. ومع ذلك، يوجه انتقاد إلى تحليل خاص بالعرق لكونه لا يتحدث عن الطبقية، بينما من النادر أن يحدث العكس.
    وهكذا يعترض الكاتبان على العمل المذكور أعلاه للمؤرخ باب ندياي بحجة تبدو لهما ظاهريا وكأنها لا يمكن الطعن فيها: إذا تم إدخال المتغيرات الاجتماعية “الثقيلة” ضمن التحليل، مثل الشغل والمهنة وحالة النشاط والجنسية، فإن مفهوم “السكان السود” “يفقد الكثير من تجانسه ويتناثر إلى شظايا” (ص230، 231). ولكن يمكننا أن نقول ذلك عن جميع الفئات، كما نجد التباينات نفسها داخل عالم الطبقة الشغيلة، خاصة إذا استدعينا متغيرات العرق والجنس إلخ… وليس الكلام عن السود والمسلمين أكثر اصطناعا من الحديث عن الطبقات الشعبية. ومن دون تعريف عملي للعرق والعنصرية ينتهي الأمر بالكاتبين (اللذين يعلماننا أن المصطلح يكون قد ظهر بقلم شارلز مالاطو في 1888 فقط) إلى تبني فكرة بورديو عن “العنصرية الطبقية” والتي لا تعني سوى الاحتقار الطبقي. كانت غيومان على حق تماما في الإصرار على أن هذه الأشكال من التحقير الاجتماعي ليست عنصرية.
    ما قاله فرانتز فانون حقا
    “مما لا جدال فيه مع ذلك، أن التاريخ السياسي الخاص بفرنسا وصل إلى ترسيخ الانقسام بين يسار يفضل المعيار الاجتماعي ويمين يفضل المعيار القومي والديني أو الإثني-العرقي” (ص 16). نحن بعيدون عن مشاركة هذه الفكرة التبسيطية، بل نقول إن اليسار لا يعنصِر بالطريقة نفسها. يتعلق الأمر باختلاف في الدرجة وليس في الطبيعة. وهذا ما يبدو أن الكاتبين يشيران إليه رغما عنهما: “على الرغم من أن كل الفرنسيين كانوا مقتنعين بأنهم ينتمون إلى شعب أعلى من أولئك الذين استعمروهم، إلا أن هذا لم يمنع بروز خلافات في طريقة تنفيذ هذه الهيمنة”. (ص 49 ـ 50)
    تخدم هذه الثنائية المبسطة، التي تتطلب الفصل الدقيق بين قضايا الهوية والرهانات الاجتماعية، هدفا استراتيجيا مزدوجا. فهي تسمح أولا بانتقاد يسار (وهو مفهوم متذبذب دوما في الكتاب) مذنب بتخليه عن المسألة الاجتماعية لصالح قضايا الهوية. يتبنى الكاتبان أطروحة تحول اليسار من المجال الاجتماعي إلى الثقافي ولا يترددان في تكرار عبارة “اليسار الثقافي” التي يعشقها اليمين المتطرف لمرات عديدة. وتسمح لهما هذه الثنائية بعد ذلك باتهام المنظمات المناهضة للعنصرية “بالقيام بمزيد من تقسيم القوى التي كانت تناضل معا ضد كل أشكال الاستغلال والتمييز”. (ص 179)
    يرى الكاتبان أن بعض الحركات المناهضة للاستعمار قد ابتعدت عن الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان يفضل المعيار الطبقي، لأنها كانت هوياتية، بينما لم تكن لهذا الحزب أبدا اعتبارات مرتبطة بالعرق. ويمكننا هنا بسهولة ذكر الرسالة التي أصبحت مرجعية لإيمي سيزار (الهوياتي) والمرسلة إلى موريس توريز، أو أفضل من ذلك كلمات فرانتز فانون (الذي يبدو أن له تقديرا أكبر عند كاتبينا) الذي لخص الأمر بشكل لافت:
    “يقال إنه في البلد المستعمر هناك بين الشعب المستعمر والطبقة العاملة للبلد الاستعماري مصالح مشتركة. إن تاريخ حروب التحرير التي قادتها الشعوب المستعمرة هو تاريخ يؤكد عدم صحة هذه الأطروحة”. (“من أجل الثورة الإفريقية، كتابات سياسية” 1964).
    ما يزال توافق المصالح هذا شيئاً لم يتم العثور عليه. وما يزال الالتباس بين العرق والطبقة كاملا.

*رفيق شكات: محام وكاتب، يهتم أساسا بقضايا حقوق الأجانب وبالقانون الجنائي وبالحريات العمومية. تتطرق مؤلفاته إلى مواضيع التمثيل العرقي في وسائل الإعلام والسينما. ترجم هذا المقال من الفرنسية حميد العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock