أفكار ومواقف

فساد السياسة.. عقم للاقتصاد

الأمثلة وافرة على عجز النظام الرسمي العربي عن تحقيق الحد الأدنى من شروط الكرامة والعيش والأمن للإنسان العربي. غير أن الدروس التي تكشفها تلك الأمثلة تؤكد مرة بعد أخرى أن فشل السياسة يعني بالضرورة عقم الاقتصاد، وما بينهما يقع الأمن الذي يكون هو أيضا قد فشل. وتبقى للناس مظاهر بوليسية، وحياة رثة لا تصلح لأن تسمى حياة.
في سبها عاصمة الجنوب في ليبيا، ثمة حرارة تشعل الأرض لا الإنسان، ومثلها كثافة سكانية سلبية. إذ يعيش أقل من شخص على الكيلومتر المربع الواحد في تلك المحافظة. ويصبح قدر المناخ هامشيا إذا ما قورن بما فعله النظام المخلوع على امتداد العقود الأربعة الماضية.
حدود مفتوحة، وهوية لهذا وحجب لدفتر العائلة عن ذاك، ومخيمات رثة، وطرقات ممزقة الأوصال، وشوارع غابت عنها الصيانة عشرين عاما، وقوى بشرية تتلاطم في ظل خليط لم تفعل الدولة شيئا لإعادة إنتاجه كقوة عمل أو لبناء المجتمع؛ بل على العكس، تمت تغذية الغرائز وتكريس القبلية وإثارة النعرات والصراعات بين العرب والأفارقة، وبين العرب أنفسهم. مئات الآلاف من العرب والأمازيغ والطوارق يتناثرون فوق صحراء شاسعة، لا يربطهم رابط المواطنة كيفما نظرت إلى أحوالهم السابقة.
المفارقة أن حقول النفط التي كانت سببا في ثراء “العقيد” تأتي من الجنوب، وتحديدا من وسط هذه الجموع المهمشة. فالنظام أشغلهم باحتراب لا يتوقف، وجوّعهم، وأدخل من خاصرة الحدود الجنوبية الرخوة الآلاف من الأفارقة الذين لا يحملون الهوية الوطنية أو الجنسية الليبية، ومشكلتهم اليوم على طاولة البرلمان المقبل، تبحث عن حلول. وهذا النفط الذي جعل ليبيا تتصدر الدول الأفريقية في الاحتياطات، بمعدل 42 مليار برميل، ليست لأبناء المنطقة التي يخرج منها علاقة به. وأستطيع القول إن التهميش والبؤس وفشل الدولة الذي رأيته في أحياء الجنوب وتجمعاته السكانية ليس له مثيل في الجغرافيا العربية المكسورة.
ذاك زمان ولى، وثمة أجيال مختلفة من أبناء العرب والتبو والطوارق في تلك الصحراء المنسية، يتطلعون اليوم إلى مستقبل جديد من خلال صندوق الاقتراع، ليضعوا حدا لصراعات ما تزال تطل بشبحها من وقت إلى آخر، وتزيد من نكد الناس الذين يسعون إلى حياة جديدة مبنية على قيمة المواطنة والثقة بالآخر، وأن يؤسسوا لإصلاح حياتهم سياسيا، ليبدؤوا بعد ذلك بناء مستقبل أطفالهم الاقتصادي.
أقول في وجه من يعتقد أن بالإمكان النظر إلى الاقتصاد وإصلاحه بمعزل عن الإصلاح السياسي وتحقيق شروط الكرامة الإنسانية، وقد سمعت ذلك من مسؤولين كثر في بلادنا: إن هذا الاعتقاد ساذج، ولا ينطوي على حقيقة، نظرا للتجارب والأمثلة الآنفة. فعندما تعمل الدولة على تحييد المواطنة قولا وفعلا، فإن خيبات السياسة ستنتقل إلى الاقتصاد.
لا إصلاح اقتصاديا من دون إصلاح سياسي حقيقي. وبالإمكان عربيا أن نبدأ من جديد على أسس الكرامة والحرية والعدل، حتى يعم نموذج دولة المواطنة التي لا يكون فيها مكان للاستبداد والفساد، والاقتصاد سيكون حتما نتيجة إيجابية لتخطيط سياسي متماسك بطابع إصلاحي غير متردد.
ماذا لو قامت الدولة الناشئة بعد الثورة في ليبيا بتشغيل قطار سريع بين الكفرة جنوبا ورأس جدير غربا؛ قطار يمر بالمدن الليبية ويربط السكان ببعضهم، قطار ينهي تباعدهم، ويقرؤون في ساعات المسير روايات وقصصا، ويتعلمون ثقافة جديدة؟ ألم يفعل الأوروبيون الشيء نفسه؟ هي السياسة إذن!

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock