فكر وأديان

“فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى”

د. محمد المجالي*

كان القرآن في غاية الصراحة في حسم طريقي الهدى والضلال، إذ تنبني على ذلك مسألة التكليف وإرسال الرسل والثواب والعقاب في الآخرة. ومن هنا أجدني بحاجة إلى الحديث عن ضرورة الحسم لا المجاملة، وإن كان لا بد فهو التدرج في الارتقاء والانتقال. لكن الحق واضح في ضرورة تبيين معالم الحق والباطل، الهدى والضلال، الخير والشر، باعتبار أن أزمانا كزماننا قد تختلط فيها المفاهيم والقيم، وتكثر فيها نداءات ما يسمى بالمعتدلين أو الوسطيين أو المنفتحين أو “الملحلحين”، حين يمزقون الدين أو يقزّمونه، حين يأخذون ما يريدون ويتركون –وفق هواهم- ما يريدون، أو حين يفتون بغير علم، أو يفصّلون الدين على مقاس السائل، أو يجاملون على حساب الحق والحقيقة؛ عندها تذهب هيبة العلم والدين، ويتشتت الناس بين المفاهيم والأفكار والقيم.
ولئن كان قوله تعالى في آخر سورة طه: “قل كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى” (الآية 135)، السورة التي حفلت بعرض الحجج والبراهين والحوار بين أهل الحق وأهل الباطل، ومواقف الآخرة ومآلاتها، عندها يعرض السياق إلى التحدي بالإتيان بآية: “وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه، أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى. ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى. قل كل متربص…” (الآيات 133-135). فأهل الباطل يتحدون بأن يأتي الرسول بآية من ربه، يقولون هذا مستهزئين مستكبرين، فكان الرد أن الله قد بين هذا في كتبه وعلى ألسنة رسله، فالأمر بيّن واضح لا لبس فيه. وحين تتضح الحقيقة وتُعلم بطريقة متواترة جيلاً عن جيل، فلا يعاندها إلا أهل الاستكبار والعناد، وهؤلاء عندما حل بهم العذاب تذرعوا لو أنّ الله قد أرسل إليهم رسولاً ليتبعوه قبل أن يكون عذاب الخزي والذل، وهو حال المستهزئين المستكبرين، ينكرون الحقيقة، وفي لحظة ما يكون الندم ولكن بعد فوات الأوان.
عند هذه اللحظة يقول الله تعالى بأن كلا الفريقين متربص منتظر بعد مجيء الآية، من هو صاحب الصراط السوي؟ وقد رأى قوم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشيء في بدر والخندق وسائر الفتوحات، ورأى غيرهم هذا في الفتوحات الإسلامية المتنوعة عبر تاريخ الصحابة والتابعين حتى انتشار الإسلام في عمق أوروبا ومن الدولة العثمانية. وسيبقى هذا ماثلاً لكل زمان، سيعلم الناس من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى هنا في الدنيا، أما الآخرة فمعالمها ومواقفها واضحة.
إن هذه الآية مسليّة لأهل الحق أن يثبتوا على مبدئهم، فلا تزعزعهم قوة باطل أو جولته، ولو وقفت الدنيا كلها في زمن ما ضدهم، فهم أصحاب الصراط السوي، ودولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.
وفي زمننا الحالي، ربما يكون وجود المنافقين المثبطين المعوِّقين من أكبر المصائب، يساعدهم في هذا وجود تيارات تزعم الحق والحقيقة، هي في شعاراتها وطنية وقومية، وفي تطبيقاتها بعيدة كل البعد عن الدين وتراث الأمة. وهناك العلمانية والتيارات الواضحة الإلحاد؛ ومعظم هذه تصف الدين بالجمود والتأخر والتخلف، والمعتدل منها من يحترم الدين ولكن يحصره في نطاق العلاقة مع الله بدون التدخل في شؤون الحياة، يختزلون الدين كله في علاقة العبد مع ربه، ويتركون كل التشريعات التي بينها الله في كتابه وعلى لسان رسوله، ولا أدري ما موقفهم منها، وهي أمور تشريعية ناظمة لشؤون الحياة، فهل كل هذا البيان لعلاقة العبد بربه؟ أو التبرك والدعاء؟
ويهمني هنا أكثر من هؤلاء جميعا صنف آخر. فقد يُعلَم أهل الباطل بشعاراتهم وتطبيقاتهم ولا يُشْكل أمرهم على الغالبية، ولكن الأخطر في نظري هو صنف المسلمين المتعلمين أنفسهم حين يعتدون على الدين باسم الدين، حين يمزقونه أو يقزمونه أو يغالون فيه، منهم أنصاف المتعلمين، ومنهم علماء السلطان، ومنهم من يعيش بين الأوراق بدون فهم لفقه الحياة، ومنهم من لا يكلف نفسه النظر في مآلات الأحكام أو معرفة المُخاطَبين أو مبدأ التدرج أو سعة الأحكام، حينها نكون قد آذينا إسلامنا من حيث ندري أو لا ندري.
أما مجموعة المغالين، فقد أرشدهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الدين متين، فليوغل أحدنا فيه برفق، فإن المنبت –المسرع- لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، وشتان بين الشجاعة والتهوّر وبينهما شعرة بسيطة. ولا يجوز لنا مهما اشتدت صولة الباطل أن تخرجنا عن شريعتنا في فهم سنن الحياة، فلا يجرنا هذا إلى التكفير والعصبية واستحلال سفك الدماء.
وأما مجموعة المقزّمين للدين الذين يمزقونه “شذر مذر” حسب الطلب، وهم يزعمون وسطية الدين والاعتدال، فهؤلاء لا يقل خطرهم عن أي فرقة أخرى؛ فتارة يجيزون الربا أو اللباس غير المحتشم للمرأة أو التهاون مع الأعداء الحربيين الواضحين أو تمييع العلاقات بين أهل الديانات التي الأصل فيها الاحترام والإيمان بأصلها لا بأنها حق، فلو كانت حقا لما دعا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أهلها إلى الإسلام. ولما قال الله تعالى: “قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوْا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون” (آل عمران، الآية 64)، فالإيمان بأصل الرسالة شيء، وأنهم على حق أمر آخر. ويا لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمر لما وجد معه صحيفة من التوراة، فاحمر وجهه وغضب صلى الله عليه وسلم وقال: “لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي”.
إن هذه الفئة التي تجيز المحرَّمَ وتحرِّمُ الحلالَ، لا تفترق عن أولئك الذين قال الله عنهم: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله..” (التوبة، الآية 31)، حينها قال عدي بن حاتم ذو الخلفية النصرانية لرسول الله لما سمعها: يا رسول الله ما تخذوهم أربابا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال وأطاعوهم؟ قال: بلى، قال فذلك عبادتهم إياهم. بمعنى أن التشريع هو لله، ولا يجوز لكائن من يكون أن يشرع ويتلاعب بالتشريع، فطاعة هؤلاء حينئذ هي عبادة لهم من حيث لا يشعرون.
إن هذا الدين واضح المعالم، يكفينا فيه قول الله تعالى: “وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون” (الأنعام، الآية 153). والإشارة بـ”هذا” هي للقريب، والقريب واضح بيّن لا لبس فيه. وخط الرسول خطا مستقيما، وخط عن يمينه وشماله خطوطا، وقال: هذا صراط الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان. وصلى الله على من تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. إنه الفهم وتحمل الإسلام كله، كما قال الله: “يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة” (البقرة، الآية 208)، ولننظر إلى أن المشرّع هو الله، فلا يشرع شيئا إلا وفيه الخير كله، أدركنا هذا أو لم ندركه، وافق هوانا أم لم يوافقه، “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم” (الأحزاب، الآية 36).
*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock